السمرة والشموخ وصلابة العود، كل ما تستشفه من هذا الرجل الآتي من البعيد بصورة الحاضر، أتى من زمن القوميات ونحت في الصخر ليحط رحاله في شرطة دبي شرطياً وضابطاً وقائداً.
مشغول بكل التفاصيل ليصيغها ذهباً يشع بنوره في سماء الإمارات، عسكري من الطراز الأول لا تستوقفه كلمة، فالكلمة عنده موقف..
وما صنعه وأنجزه عنوان لكل المتفانين من أمثاله ..عصامية تربى عليها في ظل أسرة كبيرة ترتيبه بين أشقائه الثامن عشر، درس وعمل وأصبح عسكريا من الطراز الأول.
في ذاكرته البعيدة القريبة يعرض للقارئ شريطا بالأبيض والأسود لأيام الشقاء والحب والتأسيس، مسكون بالعلاقات الاجتماعية والأسرية لأن قوة المجتمع من قوة الأسرة، يحاورك ضاحكا متناسيا سنين الشقاء لأنه في موسم جني المحصول الذي زرعه.
انه اللواء المتقاعد ناصر السيد عبد الرزاق المرزوقي، يحدثنا قائلا: ولدت في ديرة منطقة الرأس 1951، تلك الفترة الناس تلد بالبيوت لا مشافي ولا غيره لذلك لا أعرف اليوم والتاريخ الذي ولدت فيه، والدي تزوج مجموعة من النساء وخلف الكثير من الأولاد، ورقمي 18 بين إخوتي.
بدأنا الدراسة في تحفيظ القرآن ثم انتقلت إلى المدرسة الأحمدية مع مجموعة من الشباب، كانت فترة اختلاط، وكنا في سن صغيرة والاختلاط طبيعي، والدتي لها دور في تربيتي وكان لها الفضل علي وعلى أبنائي.
نحن نعيش ترابطاً أسرياً وهذا ما نطالب به، وأؤمن بقوة الأسرة والعلاقات الاجتماعية، وانظر إلى والدتي على أنها القدوة وأدعو لها بالصحة وطول العمر.
وأنا متقاعد من شرطة دبي خدمت 38 سنة، التحقت في الشرطة في 5 يونيو 1965، خدمت في شرطة دبي فترة طويلة، عاصرت الدولة ودبي منذ البداية، وعشت حتى رأيت ما تتمتع به الدولة عموما ودبي على وجه الخصوص.
تأثرنا بالفكر الناصري
مجتمع الإمارات كان صغيراً، وفي فترة من الزمن بداية المنطقة كان حجم الوافدين قليلاً، وكنا نعرف بعضنا بعضاً، بدأت حياة بسيطة ونحن كلنا بسطاء، طبيعتنا، مجتمعنا، بيوتنا.
كنا نؤمن بما نسمعه من خلال المذياع وكانت سينما اسمها «سينما الوطنية» يملكها المرحوم صالح العصيمي في ميدان الاتحاد، كنا نتأثر كشباب بما نسمعه من أخبار وأحداث، ونحن كنا تحت الانتداب البريطاني.
وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يطالب بخروج الاستعمار وحرية منطقتنا، وكنا نتأثر بهذا، وأحياناً نخرج إلى ميدان الاتحاد منجرين وراء التيارات المطالبة بالاستقلال وتوحيد المنطقة والأمة العربية.
وقدوتنا المغفور له بإذن الله عبد الناصر الذي له الدور الكبير في تحرير المنطقة وشحذ الهمم، وأذكر حادثة، كنا صغاراً وخرجت بمسيرة طلابية وقتل واحد من الزملاء، طعن حتى الموت وانضرب الكثير منا.
كنا جيلا متحمسا لم نتجاوز الخامسة عشرة من عمرنا، تأثرت بموت هذا الصديق كون هذه القضية لا تحصل في بلادنا، لذلك أصرينا أن يكون خليجنا عربياً كما طالب عبد الناصر، والحمد لله خرج الانتداب وتحررت المنطقة وتطورت وصار لها مكانتها في كافة المحافل.
عملت كاتبا وأنا طالب
بدأت حياتي صغيراً، تحملت المسؤولية منذ الدراسة كنت في وقت الصيف أقضي وقتي في المحاكم. وأذكر في تلك الفترة أن القاضي الوحيد في محاكم دبي اسمه السيد السقاف وهو من اليمن، وكان لي زملاء في المحاكم مثل رجل الأعمال بطي بن بشر، وراشد المطروشي والمرحوم حسن العطار.
وكان يرأس المحاكم في تلك الفترة الشيخ محمد بن حشر رئيس دائرة العدل، فعطلة المدرسة أعمل بها كاتباً في المحاكم أتعلم واستفيد مادياً.
في أحد الأيام جاء لزيارة السقاف في المحاكم قائد الشرطة وهو انجليزي اسمه جاك بليكس 1965 في شهر خمسة، عرفني عليه السقاف وعرض علي العمل بالشرطة.
وقال: نبحث عن شباب مواطنين متعلمين إذا عندك رغبة تعال، وأنا وقتها لم أكمل المرحلة الثانوية في تلك الفترة كنت في الصف الثاني ثانوي، ذهبت إلى مقر القيادة والتقيت ببليكس وقال سأرسلك إلى دورة تعليمية.
كان الحجم الأكبر في الشرطة من الأخوة العرب كونهم أكثر علماً وكان عندنا ضابط عراقي اسمه مجيد عبدالله وصالح الرفاعي قبلت العمل، وأرسلوني إلى قطر في دورة وكان بقطر معسكر للتدريب وفيه مجموعة من الضباط الإنجليز.
وكان معي اثنان من شرطة دبي، واحد من الإمارات والآخر من عمان رجع واحد لأن التدريب كان صعباً والفترة طويلة أطنهاسنة بعد انتهاء الدورة أصبحنا مهيئين للعمل في الشرطة.
وتم تكليفنا بعمل مدرسة للشرطة في دبي ففتحنا فصلا دراسيا في قلعة نايف كنا ندرب في ميدان الاتحاد، وهو الميدان الوحيد ندربهم من الساعة الخامسة صباحاً بعدها نعطيهم المحاضرات. وكان معنا ضابطان واحد اسمه نايف الهريس والآخر عمر عبدالله.
بدأنا من الصفر
بدأنا من لا شيء، وهي بداية تأسيس التدريب وكان التدريب عشوائياً أي الانضباط فقط ولكن الفكرة هي كيف تكون شديداً.
بدأنا في شرطة دبي من الصفر بدأت شرطياً وعندما ذهبت إلى الدورة ورجعت تمت ترقيتي، وكانت المسميات في تلك الفترة إنجليزية.
«لانس كوفر ـ كوفر ـ سارجن» عريف رقيب، رقيب أول أنا بدأت شرطياً ثم وكيل عريف ثم عريف ثم رقيب في بداية الاتحاد أصبحت ضابطاً برتبة ملازم.
مع بداية الدولة كانوا محتاجين أن تذهب مجموعة للتدريب على العمل الشرطي واخذ الدورات، ذهبت إلى مصر واختارتني جامعة الدول العربية دخلت مجموعة من الدورات التي صقلتني معرفياً، دخلت دورة إعداد القادة رغم أنه لا يدخلها إلا رتبة عقيد وكان قائدنا الإنجليزي برتبة رائد ميجر بليكس.
كان علي اعتراض من الضباط المصريين كيف يدخلها ملازم، وهي ملاكها عقيد فقالوا لهم هذا يمثل دولة ومطلوب أن نعلمه، درست كثيراً في الفترة الصباحية كان وزير الداخلية المصري ممدوح سالم، وكنا نتعلم أمور الشرطة وفي المساء تنمية سياسية.
وكان من الذين يحاضرون فينا عن الإعلام العربي عبد القادر حاتم وكان وزير الإعلام ويوسف السباعي وزير الثقافة، يحاضر عن أمور القيادة وعبد الكريم درويش وليلى تكلا.
كنت الوحيد من المنطقة، وكان معنا شاب ثلاثة شبان من السعودية وليبيا والسودان الدورة ودخلت دورة مكافحة المخدرات. وبعدها دورة أدلة جنائية كان المسعى الاستفادة من الخبرات التي تلقيناها لحملها وتطبيقها في بلدنا.
تكوين الشخصية
من هنا بدأ التغيير في تكويني كضابط شرطة، وأنا أول من أسس مركز شرطة المطار، وكان بناء على طلب المغفور له بإذن الله الشيخ راشد ومن ثم كنت أول ضابط يؤسس مركز شرطة بر دبي.
ثم أول ضابط في تأسس مركز شرطة نايف عندما انتقلت القيادة من قلعة نايف إلى مقرها الحالي توليت قيادة مركز نايف حتى 1975 ثم نقلت للقيادة.
تولي القيادات المواطنة
ومع ترك بليكس والضباط الإنجليز القيادة هنا بداية حصول تغيير أن تتولى قيادة عربية الشرطة، وكان القائد عبدالله بالهول قائد شرطة، عبدالله سعيد نائب القائد، ضاحي خلفان مدير الشؤون الإدارية والمالية وأنا مدير شؤون الأفراد والمراكز وحارب بن حاضر بالتحريات وسعيد الكمدة.
وتوزعنا لتولي القيادة ومسعانا تغيير صورة الشرطة لأن الصورة المرتسمة آنذاك أن الشرطة عنيفة من خلال تعاملها مع أفراد الجمهور وهي جهاز قمع، وليس قانونا.
وكان هدفنا كيف نحسن العلاقة مع المواطن والمقيم وبدأنا ندرب الأفراد على كيفية احترام المواطن حتى يحترمنا من خلال خلق علاقة قوية، ولا يمكننا العمل دون أن تكون الجماهير قريبة من الجهاز الشرطي.
الكل أسرة
حكومتنا، شيوخنا، حكماء والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد وصيته لنا حب الناس لنا من خلال المعاملة الطيبة، وكيف نشعر الوافدين أنهم في بلدهم ولا يقبل لأي عمل تعسفي على مبدأ أن البلد مفتوح والتعايش حق للكل.
على الشرطة احترام القانون، حتى وصل الأمر أننا لمسنا من الجاليات العربية أنها في الإمارات تعيش بسلم وأمان أكثر من بلادها.
نحترم كل القوانين الدولية والمعاهدات، مجموعات كثيرة هربت من ظلم وقع عليها في بلادها، نحن قدمنا خدمات إنسانية ولم نكن ملجأ.
مزجت بين العسكرية والمدنية
حياتي في العسكرية ممتازة، وأنا كنت شخصية لطيفة لخلطي بين الحياة المدنية والعسكرية، ونحن اسمنا الشرطة المدنية غير العسكرية ولكن بأسلوب متطور ونتعامل مع البشر ليس بأسلوب الستينات.
18
والدي تزوج مجموعة من النساء وخلف اولاداً كثيرين ورقمي 18 بين إخوتي، لوالدتي دور في تربيتي وكان لها الفضل علي وعلى أبنائي.
عدالة
حكومتنا، شيوخنا، حكماء والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد وصيته لنا حب الناس لنا من خلال المعاملة الطيبة، وكيف نشعر الوافدين أنهم في بلدهم ولا يقبل لأي عمل تعسفي على مبدأ أن البلد مفتوح والتعايش حق للكل.
المواطنون يتطوعون
منتصف السبعينات كانت تعلو أصوات المقاومة دفاعا عن قضايانا العربية وتطوعنا مع إخواننا العرب.
تطوع الكثير من المواطنين وذهبوا للتدريب، وأنا أعرف ضابطين هما نايف الهريس وعدنان وأصدقائي سلطان الجوكر وإبراهيم جمعة وخالد بوعميم تطوعوا، ذهبوا للكويت ومن الكويت للعراق والقصد الدفاع عن القضايا العربية.
أنا من الناس الذين فكروا بالتطوع، ولكن وجدت أنه إذا أنا ذهبت وغيري فمن يحمي البلد، ونحن مجموعة متواصلون إلى هذا الوقت.
وقفات
أولادي انعكاس لي
حلمي بالعسكرية منذ القدم، وأنا أؤمن بالتعليم، علمت أولادي وكلهم حملة ماجستير، اثنان أنهيا التعليم في الولايات المتحدة ولدي الأكبر محمد ناصر أنهى دكتوراه بالقانون وحسن ناصر وخالد ناصر أنهيا الدراسة في أميركا واحد في علم الإجرام والثاني في شبكات الكمبيوتر.
وناصر أنهى دراسته في الكمبيوتر مجال أنظمة المعلومات وحصل على الماجستير من استراليا وفهد أنهى التجارة الالكترونية. والماجستير، البنات مازلن صغارا.
التعليم كان أساس أولادي أحبوا جهاز الشرطة ولعيشهم معي اخذوا من أفكاري، وها هم يكملون المسيرة في جهاز الشرطة، والله يطول عمر قائدنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي طور جهاز الشرطة والإمارة حتى أصبحنا محل ثقة العالم.
تزوجت على اختيار والدتي
الزوجة يختارها الأهل، ولا يد لك في الاختيار، وهذه طبيعة المجتمع، ولا يوجد اختلاط تشاهد قريبتك أو جارتك والأكثر الأهل يختارون، ولم أر زوجتي إلا وقت عقد القران.
والحمد لله الحب أتى فيما بعد لذلك اعتبر زوجتي أنها صاحبة الفضل عليَّ وعلى بيتي وأولادي وتعليم أولادي، أمهم المشرفة عليهم، لأنني مشغول طول الوقت تزوجت صغيرا وكذلك أولادي تزوجوا وهم صغار. كونت أسرة لكل واحد من أولادي بعد التخرج أقول له تزوج والحمد لله أنا جد.
أعدها ـ عبد المنعم الشديدي
