أكثر ما يشعر الرجل بفرنسيته هو الرغيف الطازج والساخن. أما الرموز الأخرى للهوية الوطنية الفرنسية، كقبعة البيريه، والأضواء العلوية الصفراء، والسجائر الصفراء، فربما تكون قد اختفت، غير أن الرغيف الفرنسي بقي كشعار فرنسي عالمي.

وقد فاز بجائزة العام 2010 في إنتاج أفضل رغيف فرنسي تقليدي في باريس شاب ولد في السنغال يدعى دجيبارل بوديان، ويبلغ من العمر 33 عاما، وقد هاجر إلى فرنسا عندما كان طفلا في السادسة من عمره.

وأثار الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي العام الماضي جدلا كبيرا بشأن الهوية الوطنية الفرنسية، مما ولد عبارات كثيرة مناهضة للمهاجرين، أحرجت قصر الإليزيه، وتعين امتصاصها وركنها على الرف بهدوء.

وادعى كثير من المشاركين بالجدل بأن تلك العبارات تهدد بالقضاء على الهوية الوطنية وأسلوب الحياة الفرنسي.

لكن هذا القول لا ينطبق على بوديان، أو هيئة تجهيزات المطاعم، أو الشخصيات الثانوية، أو الأشخاص العاديين الذين اقترعوا على أن رغيف بوديان هو الأجود في العاصمة الفرنسية.

يقول بوديان في هذا الصدد: هذه الجائزة هي أفضل رد على الإطلاق على بعض الملاحظات التي تم إبداؤها فيما يتعلق بالجدل الدائر حول الهوية الوطنية. وكل هذه المواضيع هي مجرد أمور سياسية وكلام فارغ. وأعتقد شخصيا أنني فرنسي بالكامل، تماما كأرغفتي.

وكجزء من جائزته، سوف يزود بوديان المقر الرسمي للرئيس ساركوزي بالخبز على مدى 12 شهرا. ويقع المخبز، الذي تبدأ وردية بوديان به في الواحدة صباحا في بعض الأحيان، في حي مونمارتر التقليدي بباريس، الذي صور فيه الفيلم الفرنسي الشهير «ايميلي» عام 2001.

واستطاع بوديان في محاولته الثالثة منافسة 162 خبازا آخر والفوز بالجائزة السنوية التي يقدمها المجلس البلدي بباريس لألذ رغيف تقليدي في العاصمة الفرنسية، وأطيب الأرغفة رائحة.

ويبلغ مقدار الجائزة 4000 فرنك فرنسي، أي نحو 3600 جنيه إسترليني. والرغيف التقليدي عبارة عن نسخة من الرغيف الكلاسيكي، لكنه أقصر قليلا، ويتم مضغه بصورة أكبر، ولونه أكثر بياضا.

وقانونيا يتعين صنعه من طبقتين من عجينة مخمرة، بشرط عدم إضافة خميرة صناعية، أو مواد كيماوية، أو منكهات عليه.

يقول بوديان في هذا الصدد: السر الوحيد هو عدم قطع عجينة الرغيف قطعا صغيرة، ويجب إتباع الوصفة الطهوية بدقة متناهية، كما يجب إتاحة وقت كاف لخبزه، وبعد ذلك يجب ترك العجينة بعض الوقت قبل خبزها.

ويعمل والد بوديان خبازا أيضا، وتدرب في معهد لصنع المعجنات والخبز في بانتين بضواحي باريس قبل 12 عاما.

يقول ميشيل غالوير، وهو مؤسس سلسلة مخابز غرنيير، التي ينتمي إليها مخبز بوديان: «لا يمكنكم تخيل شخص أكثر فرنسية من بوديان، وهو يستحق النجاح الذي حققه، فهو متواضع، ويعمل بجد، ويحترم الناس الذين يعملون معه، وفي كل يوم يعلمنا شيئا جديدا».

يشار إلى أن الرغيف الفرنسي التقليدي يعتبر حديثا نسبيا، وهو يختلف عن الرغيف القديم الذي كان سائدا في فرنسا أيام الحرب العالمية الثانية، وكان يتم إنتاجه بصورة مألوفة على شكل رغيف خفيف أبيض اللون، لكنه يصبح صلبا كخشب الشجر في نهاية النهار.

واحتاج هواة الخبز لتنظيم حملة من أجل الحصول على الخبز الحقيقي لحث الحكومة الفرنسية على إعادة بعث هذا التراث القديم.

ويباع هذا الرغيف في المخابز الفرنسية الآن جنبا إلى جنب مع الأرغفة الغضة والطرية، التي تبقى لفترة أطول، وهي مقرمشة بلون الكريما، وقد حدد القانون الفرنسي مواصفاتها منذ عام 1993.

وبشأن الوصفة الطهوية للرغيف التقليدي يقول غالوير إنها لا تتغير كثيرا من خباز لآخر، لكن المهم هو اختيار مكونات الرغيف، والطريقة التي تمزج بها، وهي تختلف كثيرا بين الخبازين.

وقد باشر الرئيس ساركوزي الآن بتناول الرغيف التقليدي الذي ينتجه الخباز الفرنسي السنغالي الأصل بوديان، والاستمتاع بمضغه، وغرز أسنانه به.

عمر حرزالله