لطالما أصرت التكنولوجيا بكل أشكالها على جب ما قبلها عبر ما استحدثته من أساليب مختلفة عملت على تسريع وتيرة الإنتاج، وبلا شك أن الحرف اليدوية كانت أولى المتأثرين بهذا التطور، ورغم ما أحدثته التكنولوجيا من تغييرات في نمط حياتنا إلا أن الحنين إلى الماضي لا يزال ينبع في قلوبنا.

ويكاد أن يكون سبباً رئيسياً لتمسك البعض بالحرف اليدوية القديمة رغم سمات التعب التي تحملها في طياتها، ولأجل هذه الحرف فقد عملت إدارة التراث التابعة لدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.على إنشاء مركز متكامل يضم بين جدرانه مختلف الحرف اليدوية الإماراتية التي لم تتمكن من الصمود وجه التطور الذي أصاب البلاد بعد ظهور النفط، وذلك بإحدى زاويا مدينة الشارقة القديمة.لقد استطاع المركز الذي لا يزال عوده طرياً إعادة الحياة لمعظم الحرف اليدوية الإماراتية التي حملت جميعها رموزا أصيلة تؤرخ لزمن قديم ساهمت الطفرة الاقتصادية بتغيير وجهه الحقيقي.

«البيان» التقت رئيسة مركز الحرف الإماراتية أمينة احمد الشيب والتي قالت: «بدأ إنشاء المركز منذ سبعة أشهر تقريباً، ويعتبر الاهتمام بالحرف اليدوية الإماراتية من أبرز أهدافه، لأن بعض هذه الحرف قد انقرض وبعضها الآخر مهدد بالانقراض في ظل سرعة الحياة.ومن هنا كان واجباً علينا الإسراع في حمايتها عبر إقامة دورات متخصصة للشباب والفتيات بحيث يتعلمون أصول هذه الحرف سواء كانت نسائية أو رجالية، وقد بدأنا بإعادة إحياء بعض الحرف النسائية، وسيتم مستقبلا إضافة الحرف الرجالية مثل الفخار وصناعة القوارب وغيرها إلى قائمة موجودات المركز».وأضافت: «نحرص في المركز على أن تكون معظم الحرف التي يتم تعليمها للشباب من الحرف المنتجة، وأن تكون منتجاتها مستحدثة بحيث تحمل في روحها الطابع التراثي الإماراتي وتصلح في الوقت ذاته لأن تكون هدايا للمؤسسات الحكومية أو أن يحملها المسؤولون معهم إلى خارج الدولة».

دورات متخصصة

منذ انطلاقة المركز وإدارته تعمل على وضع خطط واضحة لإحياء الحرف الإماراتية القديمة، ولذلك فقد عملت على عقد عدد من الدورات المتخصصة في هذا الشأن.

وحول ذلك قالت الشيب: «نطمح من خلال المركز إلى تعليم الفتيات وتأهيلهن في مجال الحرف النسائية مثل الخياطة والتلي والدخون والعطور والسفافة وغيرها، في الوقت ذاته نعمل على بناء قاعدة بيانات رئيسية يكون أساسها مجموعة من الشباب المؤهلين الذين يتقنون ممارسة الحرفة نفسها.

حتى نضمن استمرار هذه الحرفة لمدة زمنية طويلة، ولذلك نحاول الاستفادة من أصحاب المهارات الإبداعية الذين يعملون من خلال مواهبهم على تطوير المنتج وإخراجه بصورة حديثة، وهدفنا من تطوير المنتج هو إمكانية استعماله مستقبلا وضمان عدم انقراض الحرفة وتعريف الناس بها وبمنتجاتها».

بموازاة هذه الخطط يعمل المركز على جمع إرث الحرف اليدوية الإماراتية كمرحلة أولى، وكذلك التواصل مع الكليات ومعاهد الفنون الجميلة والمدارس لتوفير الشباب المتميزين والذين لديهم قابلية الاستمرار في هذه الحرف مستقبلاً، في المقابل يتكفل المركز بتوفير المواد الخام لهذه الفئة مع ضمان إعادة بيع منتجاتهم المختلفة.

من جهة أخرى، فقد عمل المركز منذ إنشائه وحتى الآن على تنظيم عدد من ورش العمل والدورات المتخصصة في الحرف اليدوية، وحول ذلك قالت الشيب: «لا يتركز عملنا في المركز على التعريف بالحرف اليدوية فقط وإنما نعمل على إقامة دورات تخصصية لكل من يرغب بتعلم أية حرفة قديمة.

وخلال الفترة الماضية قمنا بتنظيم دورة حول «فن إعداد المائدة والطبخ الشعبي في الإمارات»، والتي تعقد للمرة الأولى في الدولة.

بهدف تعريف وتعليم المشاركات طرق إعداد وتجهيز المأكولات الشعبية، وقمنا خلال الدورة بتعليم المشاركات مهارات تنسيق المائدة، إلى جانب تسليط الضوء على أنواع المأكولات والحلويات الشعبية المختلفة».

وتواصل: «إلى جانب هذه الدورة قمنا بتنظيم ملتقى الحرف التراثية الرابع والذي كان حول «الأزياء التراثية»، وفيه عرضت مجموعة كبيرة من أوراق العمل والتي ناقشت جميعها الأزياء التراثية في منطقة الخليج، خاصة وأن الملتقى استضاف العديد من المشاركات من سلطنة عمان والكويت والبحرين وقطر والسعودية.

كما صاحبه معرض للأزياء التراثية وورش عمل متخصصة بصناعة الدمى والتلي وغيرها، وقد لقي إقبالاً عالياً من الفتيات والأمهات اللواتي طالبن بتعزيز مثل هذه الورش وتكرارها».

وأوضحت: «لقد حاولنا خلال الملتقى الرابع عرض جميع الحرف المتعلقة بالأزياء فقط، وقدمناها من خلال 14 امرأة، كانت كل واحدة منهن تعمل في مجال مختلف مثل صناعة الدمى وصباغة الملابس والخياطة والتلي.

بالإضافة إلى حرفة ترويب الليخ (صناعة الشباك) التي كان يشترك فيها الرجل والمرأة، كما حاولنا أيضا إيجاد مكان خاص للشباب باستعراض تجاربهم في تصميم العبايات.

وأشارت الشيب إلى أن الملتقى لاقى إقبالاً عالياً خاصة وأنه وفر فرصة الاحتكاك مع النساء اللواتي يعرضن الحرف، وخلال الفترة نفسها أقيمت ورشة تدريبية حول صناعة الدمى، حيث كان هناك رغبة عالية بالتعرف على طبيعة هذه الحرفة.

ونتيجة لما حققه الملتقى الرابع من نجاح، أكدت الشيب بأن الملتقيات المقبلة ستكون على غراره، حيث سيتناول كل واحد منها موضوعاً معيناً ويعمل على مناقشته بتعمق.

وأشارت إلى أن المركز يقوم حالياً بمخاطبة عدد من الجهات مثل المجلس الأعلى للأسرة بالشارقة والجامعات وكليات الفنون الجميلة والمدارس، بهدف التعرف على طبيعة الدورات التي يمكن تنظيمها بالتعاون معهم وذلك بهدف توفير المعرفة لأكبر عدد ممكن من الشباب.

للأسر المنتجة مكان

منذ اللحظة الأولى لبدء العمل في المركز، أوجدت إدارته مكاناً خاصا للأسر الإماراتية المنتجة، حيث يستفيد المركز من منتجات هذه الأسر ويعمل في الوقت ذاته على توفير دخلا إضافياً لها.

وحول مشاركة هذه الأسر قالت الشيب: «نعمل حالياً على إعداد قوائم كاملة بالأسر الإماراتية المنتجة وذلك من خلال مخاطبتنا لكافة الجهات المسؤولة عن الأسر المنتجة سواء وزارة الشؤون الاجتماعية أو الجمعيات الخيرية وغيرها.

بحيث يمكننا الاستفادة من منتجاتها، ودعم هذه الأسر وتقوية مدخولاتها الشهرية»، وأشارت إلى أن المركز معني بالدرجة الأولى بالأسر المنتجة المبتكرة والمتخصصة بالإنتاج الحرفي التراثي الذي يعبر عن روح التراث الإماراتي.

مرفق سياحي

رغم صغر عمر المركز إلا أنه تمكن من التحول إلى مرفق سياحي مهم في إمارة الشارقة، حيث يستضيف العديد من المجموعات السياحية التي تزور الدولة، ويعمل على تعريفهم بالحرف التراثية الإماراتية وتوفير ما يحتاجونه من الهدايا والتذكارات.

وقالت الشيب إن مركز الحرف الإماراتية يختلف في عمله عن بقية المتاحف الموجودة في الشارقة، فهو ليس مركزا لعرض الحرف فقط وإنما للتدريب وبيع المنتجات التراثية.

وقد نجحنا بالاتفاق مع العديد من المؤسسات مثل هيئة الإنماء السياحي في الشارقة وبعض الشركات التي تستضيف الوفود السياحية لأن يكون المركز على قائمة المؤسسات التي تنظيم الجولات السياحية في الإمارة»، وأكدت بأن جميع الموجودات في المركز من أنتاج المركز نفسه ولم يتم جمعها من مختلف مناطق الدولة.

اهتمام

مركز الحرف الإماراتية يستقطب الزوار

أقيم مركز الحرف الإماراتية في بيت عربي قديم تعود ملكيته للمواطن أحمد سالم المزروع، الذي كان من أعيان الشارقة في الماضي، ويضم المركز عددا من الأجنحة أو الغرف وأهمها غرفة السعفيات، والدخون والعطور، والمدبسة التي يوضع فيها التمر لاستخراج الدبس منه.

وكذلك المكتبة التي تحتوي على عدد من الكتب التراثية والمتخصصة بالحرف اليدوية، وكذلك غرفة المكنز التي تحتوي على منتجات المركز المختلفة، كما يضم المركز فناء جميل وضعت فيه عدد من الطاولات المجهزة لاستقبال ضيوف المركز.

وكذلك مجلس عربي متكامل، كما يضم غرفة خاصة للأفلام الوثائقية المصورة والتي تستعرض تاريخ الشارقة وهي تعرض باللغتين العربية والانجليزية.

ويستقطب المركز العديد من الزوار الذين يطرقون أبوابه للاطلاع على التراث الإماراتي كما تقام في المركز العديد من الورش التدريبية الخاصة بالحرف اليدوية الإماراتية.

ويعمل فيه نحو خمس موظفات مؤهلات بالكامل لتدريب وتعليم زوار المركز بعض الحرف اليدوية مثل الخياطة وصناعة البرقع والدمى والتلي والسفافه، إلى جانب الطبخ الشعبي.

غسان خروب