دائرة الأسر الممتدة تضيق يوماً بعد يوم، وحلقة الحياة العصرية تتسع كل يوم، ويبقى الواقع الاجتماعي المتغير خاسرا في ظل غياب كثير من الضوابط والثوابت التي تربى عليها الآباء والأجداد..
اليوم تجد جيشاً من الشباب تأخذهم سنوات العمر ولا يلتفتوا إلى معاني الاستقرار والزواج وتحمل المسؤولية، خوفاً من لا شيء أو ربما من كل شيء.. تراهم ينأون بأنفسهم عن هذا الارتباط الذي على ما يبدو لم يعد «مقدساً» بحكم ما يفرزه واقع الأزواج اليوم..
حيث يقول خبراء الأسرة وعلم الاجتماع أن ثقافة الترف والتغير التي يعيشها شباب اليوم، منحتهم القدرة والسهولة على تغيير «الموبايل» والسيارة و«ستايل» الحياة باستمرار، وهو ما حملهم على إدمان التغيير وصولاً إلى «تغيير الزوجة» أيضاً.
وفي هذا الإطار يجمع كثيرون على أن ثقة الاستقرار وتحمل المسؤولية وفتح بيت الزوجية لدى جيل الشباب اليوم لم تعد كما كانت في السابق لدى الآباء والأجداد، فاليوم يتعذر الكثيرون بالدراسة والعمل والاستعداد المبالغ فيه لمواجهة صعوبات المعيشة قبل أن يقدم أحدهم ربما مكرها على الزواج.
وهو ما يضعهم في خانة الضعف والارتباك في تكوين أسرة مستقرة وتربية الأبناء الذين ربما يكونون الضحية التالية في جيل مقبل..
أما الشباب فتراهم يدافعون عن واقعهم بمزيد من الثقة والقدرة على مواجهة أعباء الحياة، وتحمل مسؤولية البيت والأبوة.
تأخير مشروع
حمد خالد يرى أن تأخر سن الزواج بالنسبة لشباب اليوم له ما يبرره على أرض الواقع، لا سيما في استكمال الدراسة الجامعية وتأمين الوظيفة والعمل، ومجابهة غلاء المعيشة الحاصل.
حيث إن التأخير لا يمكن أن يحسب على أنه هروب من الواقع، مشيراً إلى أن شباب اليوم ربما أنهم مؤهلون أكثر من جيل الآباء والأجداد للزواج وفتح بيت وتربية الأبناء، وذلك مرده إلى معرفتهم بلغة العصر الحديثة، وربما تشاركهم مع جيل الأبناء في كثير من المتغيرات، وهو ما لم يكن حاصلاً مع جيل الآباء والأجداد.
أما عبد الله المرزوقي فيقول إن الأمر يعتمد على طبيعة التربية، حيث أنك ترى شباباً تأهلوا مبكراً وتمكنوا من فتح بيوت بنجاح، وفي الطرف المقابل فإنك تلمس كماً كبيراً من الشباب وكأن سن النضج لديهم قد تأخرت كثيراً..
تراهم دوماً في حالة طيش وتهور، وجل همهم السيارات والموبايلات والسهر، وذلك الواقع مرده إلى صعوبة ملموسة فرضتها أساليب الحياة العصرية والمعقدة.
سهولة واتكالية
ويوضح المرزوقي أن السهولة التي يعيشها الشباب هذه الأيام والاتكالية في كثير من الأشياء على «البشكارة» والوالدين، جعلت منهم جيلاً شبه مشلول، وهو حتماً سيخشى المسؤولية وسيتردد في الزواج.
وسيضع نفسه على حافة الخطأ، ومتى قُرّر لهذا الجيل أن يكون زوجاً أو أباً، فإن كثيراً منهم سيواجه صعوبات معيشية واجتماعية ونفسية، وربما تكون أسر المستقبل أكثر سلبية مما يتوقع البعض، وإن ظل الواقع لا يخلو من النماذج الإيجابية والناجحة.
سلطان الشيبة يعتبر أن جيل شباب اليوم قادر نسبياً على إدارة بيوت المستقبل، رغم اعترافه بصعوبة الواقع الذي يعيشونه، موضحاً أن تأخر سن الزواج وارتفاع نسبة الطلاق المبكر بين الأزواج الشباب أمر خطير ويؤكد وجود خلل في طرفي عملية الزواج، فالشاب اليوم يتسم بالطيش إلى أبعد حد، تراه يكبر كثيراً ويظل ملتصقاً بملامح الطيش والتهور الشبابي.
أما الفتاة فهي للأسف مهتمة بالمظاهر أكثر، وذلك الواقع يقود إلى خطورة مجتمعية مقبلة، ناهيك عن غلاء المعيشة وصعوبة تحمل المسؤولية في ظل هذا الواقع العالمي الذي يرتكز على المادة كثيراً.
طيش وتهور
وفي جانب الفتيات، ترى سارة جبور أن الغالبية العظمى من شباب اليوم مهووسون بالسيارات والتغيير والترفيه المقرون بالطيش والتهور، وفي الجامعة على سبيل المثال يمكن أن ترى شباباً كثيرين لا يأبهون بالدراسة والتخصص.
فكيف لهم أن يكونوا آباء صالحين، لافتة إلى أن الشاب الذي اعتاد تحمل المسؤولية منذ نعومة أظفاره حتماً سينجح في حياته الشخصية والاجتماعية، أما أطفال الدلال والرفاهية فسيكونوا شباباً غير مستقرين، مفعمين بالطيش والتهور وغير قادرين على تحمل شيئاً من المسؤولية، وفي الحقيقة فإن شواهد تأخر سن الزواج دليل على هذا الواقع.
أما مريم جمعة فهي ترى أن الشاب هو نتاج التربية والتنشئة الأبوية، والواقع يؤكد وجود شباب تزوجوا في أعمار صغيرة «مطلع العشرينات» وهم إلى الآن يحافظون على قدر معقول من النجاح العائلي.
وفي المقابل تجد أن آخرين يقفون على عتبة الثلاثين أو أكثر وإلى اليوم يخشون مجرد التفكير بالزواج وتحمل مسؤولية المنزل.
وتلمح مريم إلى أن الطيش علامة جامعة يمكن أن يتصف بها جميع الشباب هذه الأيام، وهي غير مرتبطة بقدرتهم على فتح البيت وتحمل المسؤولية، حيث إن التربية في الأساس هي التي تصنع من الابن شاباً ورجلاً مسؤولاً وقادراً على إدارة شؤون الحياة الخاصة به.
مع الإشارة إلى أن ظروف المعيشة هذه الأيام تبدو أكثر صعوبة منها في السابق، والحقيقة تقال إن الأجيال هذه الأيام تعاني كثيراً وهي تضطر أحياناً إلى دفع فاتورة كبيرة في مواجهة تحديات المستقبل.
الحلم والهدف
رشا محمد المرشدة النفسية في جامعة الشارقة ترى أن الشباب هذه الأيام يعيشون صعوبة كبيرة في مواجهة تحديات الحياة الزوجية والاجتماعية، وهم غير مؤهلين بشكل حقيقي لإدارة العلاقات الأسرية على النحو الأمثل.
المشكلة بنظر المرشدة النفسية أن الشباب اليوم يصلون مرحلة الجامعة ولا تجد لديهم هدفاً معلناً أو حلماً ينطلقون منه نحو النجاح، وهذا الواقع يضع الشباب في حلقة مفرغة فتجدهم لا يحسنون إدارة أمورهم الخاصة، موضحة أن الهدف من الحياة أمر ضروري لكل شخص فالطفل الذي لا يتربى على هذا الأساس ستجده عاجزاً عن تحمل المسؤولية حينما يكبر.
ويبقى دور الأسرة الغائب بشكل كبير عن الأبناء السبب الصريح لتخريج جيل لا يقوى على مواجهة أعباء الحياة، وذلك أثر على حياة الأزواج الشباب الذين سريعاً ما يلجأون للطلاق كحل لأي مشكلة تواجههم، كما توضح رشا محمد، التي تضيف أن الفتاة أيضاً تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية الاجتماعية الرامية إلى الحفاظ على بيوت المستقبل.
الزواج بمعايير ثقافة المظاهر
الطفل في السابق يختلف عن طفل عصر الإنترنت ومراكز التسوق، فسابقاً كان يتصف بملامح رجولية كثيرة قبل بلوغه مرحلة الرشد، والسبب قربه من والده وحضوره مجالس الكبار وسوى ذلك من الممارسات التي تنمي لديه حس الرجولة والمسؤولية، كما يؤكد خبراء التربية والأسرة.
حيث إن الطفرة الاقتصادية جعلت من نظرة الشباب للحياة الزوجية أنها مشروع اقتصادي بالدرجة الأولى، وثقافة المظهر جعلت التركيز على الزواج من خلال شهر العسل والقاعة والصالة والذهب وسوى ذلك من الأمور المادية.
فيما لا يزال الشباب عاجزين عن تحمل المسؤولية سواء في تجهيز بيت الزوجية أو في تربية الأبناء وفي كلا الحالتين المسؤولية تلقى على الآخرين.
فهم خاطئ
كما تقول المرشدة النفسية رشا محمد، فإن الفتاة هذه الأيام تمتلك قناعة مطلقة بأنها في حال امتلكت حياتها الشخصية بعيداً عن الزواج، فهي حتماً ستشعر بالرضا عن واقعها، وهذه مشكلة كبيرة يواجهها المجتمع بأسره.
حيث تجد الزوجة تطلب الطلاق لأتفه الأسباب، وذلك بداعي أنها قادرة على تدبر أحوالها والعيش لوحدها، مشيرة إلى أن هذا الواقع يدلل على فهم خاطئ وخطير تجاه مشروع الزواج الذي من الواجب أن يظل المتغير الأسمى لدى الشباب والفتيات.
وذلك لا يمكن أن يكون دون تدخل الأسرة من خلال نهج تربوي قويم يضع الأبناء على حافة النجاح في حياتهم الخاصة والمستقبلية.
قيود الزوجية
الخبيرة الأسرية الدكتورة علياء إبراهيم أكدت وجود مشكلة وخلل في تحمل المسؤولية بالنسبة لجيل الشباب هذه الأيام، لا سيما في ما يخص الزواج والأبوة، والحاصل أن نسبة كبيرة من الأزواج الشباب يفضلون خيار الطلاق عند أول مشكلة تواجههم، وفق مبدأ الفكاك والخلاص من قيود الزوجية، كما تؤكد الشواهد.
وتؤكد الخبيرة الأسرية أن تربية الآباء لا تمنح شباب اليوم المسؤولية والثقة للاستعداد للمستقبل، وجيل اليوم للأسف يستسهل الزواج مثلما الطلاق.
والثقافة التي يتحلى بها لا تتعدى وصف ثقافة التغيير «تغيير السيارة والموبايل والزوجة كذلك» وربما أيضاً ثقافة الصورة التي تطغى على الجوهر، والمشكلة هنا تُلقى بعد الأسرة على مناهج وزارة التربية والتعليم التي لا تلقي لهذه المشكلة بالاً.
بقي أن نقول إن دور العائلة والأب تحديداً متراجع بنسبة كبيرة، وهناك حالات طلاق كثيرة تتعامل معها الدكتورة علياء، وهي تأتي في مرحلة مبكرة، وفي بعضها تكون الزوجة حاملا في الطفل الأول.
حيث إن الشباب يعتقدون أن الطلاق خلاص لهم من قيود البيت والزوجة والمسؤولية، مشيرة إلى أن غياب واقع الأسرة العربية الممتدة أثر سلباً على بنية المجتمع، وعلى حالة الاستقرار المجتمعي، حتى أمسى الطلاق أسهل عمل يمكن أن يؤديه رب الأسرة للأسف، وذلك واقع يخلو تماماً من المسؤولية.
دبي ـ عنان كتانة
