قصص الأجداد تاريخ حافل يروى في كل مكان إلا أنه بعيد عن باب التوثيق، من هنا جاء دور الجمعيات التراثية التي تحفل بها إمارة رأس الخيمة لتوثيق هذا التراث والاستمتاع به في مناسبة احتفالية تأخذ طابع المهرجان.

وكان التجسيد الواقعي لحياة الأجداد من أهل الجبال هو ما ارتأته جمعية الحبوس للفن والتراث عبر معرض وقرية تراثية متكاملة تعكس تفاصيل الحياة قديما، متنقلةً بين بيوت الشتاء والصيف التي تتلاءم وطبيعة الأجواء مع تفاصيلها المختلفة، سواء من حيث الرعي أو النوم أو الطعام.عبر رحلة إلى حياة الأجداد المجسدة في القرية التراثية يستقبلنا بيت الصيف «العريش» المصنوع من جريد النخيل في جميع أجزائه سواء في الجدران أو السقف، وغالبا ما كان يُبنى في مناطق السيح في رأس الخيمة حيث الهواء، والبرودة التي توفرها طبيعة المنزل لقاطنيه الذين إذا اشتدت بهم الحرارة لجأوا إلى المنامة.

والمنامة عبارة عن جلسة مرتفعة عن الأرض خارج منزل العريش، لتوفير الهواء والبعد عن الحشرات والزواحف، قواعدها من سيقان النخيل وأرضيتها من سعفه وتفرش بالخيش للنوم.

وللسمر نصيب في أماكن الصيف أيضاً فالجلسة التي تشبه المنامة اقرب إلى الأرض منها، تضم أهل المنزل وزوارهم وتوفر لجالسيها أريحية للتحدث في الهواء الطلق.

وقبل إن يحل فصل الشتاء يتوجه الأهالي إلى بيت «الصف» الذي يشبه بمكوناته بيت الشتاء وبيت الصيف معا، فجدرانه من الأحجار الجبلية التي تتخللها بعض الفتحات لتأمين دخول الهواء للغرفة، وسقفها من الجريد للسبب ذاته، ما يوفر الدفء المطلوب في هذا الوقت مع المحافظة على الهواء والبرودة المناسبة.

وفي الشتاء تكون الوجهة إلى الجبال وبيوت «القفل» وهي بيوت مقفلة بصورة شبه كاملة بالصخور المتلاصقة سواء عبر الجدران أو السقف الحجري، فيما عدا فتحة صغيرة توفر هواء التنفس والباب المصنوع من خشب السدر، وبداخله الموقد المستخدم للطبخ كما أنه يوفر الحرارة لقاطني المنزل، بهدف التدفئة.

وبين هذا البيت وذلك البيت لا بد من تواجد أساسيات المعيشة كالبئر المائي وهو نوعان «الطوي» ويحتوي المياه الجوفية، والبئر الذي تتجمع فيه مياه الأمطار وقت الشتاء، ومن خلالهما يتم استخدام الماء لأغراض النظافة والطبخ والشرب وري المحاصيل الزراعية كالقمح.

كما أن للحيوانات مكانا في منازل الأجداد من أهل الجبال «الزريبة»، لما تمثله الحيوانات من أهمية لهم فهي مصدر للغذاء عبر حليبها سواء البقر أو الماعز والذي يعتبر أساسا لعمل الجبن أو «الجامي» أو لحومها أو جلودها.

وللخبز تواجد معروف في حياة أهل الجبل فخبز «السفاع» المصنوع من بر القمح والماء، حاضر بصورة يومية ولهذا ف«التنور» في كل بيت، وهو مصنوع من الطين بشكل أفقي توقد به النار لتعطي الحرارة لجدرانه، التي تلصق عليها عجينة السفاع بعد فردها باليد ورش سطحها بالماء كي تلتصق على جدران التنور ويتم التقاطها بعصا، وتقدم بعد وضع السمن أو الزبدة عليها والعسل أو الدبس.

وللحصول على هذا الخبز فلابد من توفير القمح أولاً، وللقمح قصة حياة أخرى يمر بها وأماكن كثيرة يتجول فيها، فبدايته في الوعب الأرض الخصبة التي يزرع فيها عبر حفر خطوط طولية باليد أو بآلة متخصصة تدعى «الهيس»، وبعد نموه يجز القمح باليد أو بأي آلة حادة كـ «الداس».

والمرحلة الثانية، أو المكان الآخر الذي تمر به حبوب القمح بعد جفافها هي «الينور» حيث يجتمع مجموعة من الناس ويحملون عصياً ضخمة لدق القمح وفصل الحبوب عن النبتة، ومن ثم تجمع وتصنف ليتم في النهاية تخزينها في «اليانز».

«واليانز» غرفة صغيرة مقفلة مصنوعة من الطين أو الحجارة أو كلاهما معاً، لا تتسع إلا لشخص واحد يتم فيها تخزين المواد الغذائية من التمر والدبس والعسل وغيرها الكثير من المواد الغذائية الأخرى كطحين القمح وحبوب القمح قبل إن تذهب إلى الرحى للطحن.

ومرحلة الطحن في «الرحى» هي المراحل الأخيرة للقمح قبل إن يصبح خبزا، حيث توضع حبوب القمح في آلة يدوية تتكون من حجرين مستديرين فوق بعضهما البعض، ومن خلال تحريك القرص الكبير تطحن حبة القمح التي تتوسط الحجرين وتتوقف درجة الطحن على مدة استخدام الآلة.

حياة الأجداد في رحلة الصيف والشتاء، تجسيد لاستجابة الإنسان الإماراتي لبيئته، وتفاعله مع مكوناتها، وانتصاره في تطويعها والظفر بما تجود به الطبيعة.

رباب جبارة