اختتمت مساء امس الاول، بقصر الثقافة بالشارقة عروض أيام الشارقة المسرحية، وقدمت فرقة مسرح حتا بدبي آخر العروض بعنوان «حنه» من تأليف وإخراج علي جمال، وقام بأدوار البطولة كل من الفنانة بدور ومحمد جمعة واشواق والطفلة اشرقت.
وتفاعل الجمهور مع عرض طغت عليه الأداءات التراجيدية في فرجة انغمست في المأساة استسلاما لنص مسرحي اندفع الى منطقة شائكة وأزلية لدى رجل يبحث عن ابن ذكر يحمل اسمه، بعدما فقد الامل مراراً بسبب زوجته التي يموت اطفالها في مهدهم. حيث يندفع هذا الرجل الى معاقرة الخمر هربا من واقع اجتماعي يعتد بالذكر ولا يرفع للأنثى فيه قيمة.. ومن خلال التفاصيل التي اشتغلت عليها الرؤية الاخراجية في بناء المشهدية المسرحية، يتضح منذ البداية اننا نلج الى داخل بيت موبوء بالمأساة، بيت ستائره البيضاء التي هي جدرانه طبعت عليها آثار الحناء، في ايحاء واضح لطغيان الحضور الانثوي، وفي واقع يعاكس امنيات وتطلعات ذلك الزوج السكير.
وربما هذه نقطة تحسب لصالح المخرج علي جمال الذي وفق في فرض هذا الحضور لإبراز معاناة هذا الرجل الوحيد، او الذكر الوحيد في منزل لا يلد الا إناثا.. الحناء هو الآخر عقدة اوصلت هذا الرجل الى كره كل ما يمت للأنثى بصلة.. كذلك ارتباط وحضور المراجيح في البيت، دلالة احلام الطفولة..
تبدأ القصة في انتظار المولود الذكر الذي تحمل به زوجته، فيما شخصية «حنه» فتاة ابنة الزوجة من اب توفي باكرا، ولا تتذكر منه سوى روايات امها عن ابيها الطيب، وأمام زوج الام تقف «حنهءء الطفلة، و«حنه» الفتاة التي تنتظر الزواج برجل، مرتبكة، خائفة، فهذا الآخر يكرهها لأنها انثى، ولأنها ليست من صلبه.. تلد الام، وتأتيه البشارة، المولود ذكر، يشتعل البيت فرحا، لكن سرعان ما تنقلب الاحداث، يموت الطفل لأنه ولد مريضا وضعيفا، يموت محمولا بيد الفتاة «حنه».
ومن هنا يبدأ الزوج في نوبة من الجنون جديدة. يشتعل كرهه لـ «حنه».. يزداد طغيانه وشراسته ضد الانثيين، زوجته وابنته، وبمرور الوقت تصاب الابنة بمرض الصرع.. حتى تنتهي الحكاية بثورة الابنة «حنه» وقتل الاب من خلال شنقه بحبال المرجيحة..
هكذا يعالج المؤلف علي جمال قصته، في محاولة للوقوف امام ظاهرة حب انجاب الذكور التي يبدو انه يؤمن ايمانا قاطعا بأنها لا زالت باقية في ترسبات الشخصية الشرقية..
اما تعامله مع مفردات العرض كمخرج فإن علي جمال يتمرد قليلا على موتيفات سبق استخدامها وتكرارها في عروض سابقة له، فقد كان موفقا في اختيار الستائر الشفافة البيضاء المنقوشة برسومات الحناء، في محاولة لاستنطاق هذا المناخ من سياق النص الرئيسي وموضوعته الاساس، فهنا محاولة لحمل الدلالة وجعلها اكثر تأثيرا ووضوعا،.
فيما عدا الرمل الذي غطى الخشبة وبدا واقعيا لأبعد مدى، وكان بالإمكان التخلص منه، طالما ان اللغة المشهدية تنحو باتجاه التجريد وتذهب بعيدا عن الواقعية..
لم يسرف علي جمال في حركات الاضاءة وتنقلاتها، بل جاءت مختزلة، تستدعي في الحالات التي يحتاجها العرض وتحتاجها بؤر التركيز والانتقال المكاني والزماني، وهذه ايضا نقطة تحسب في حسابات رؤيته الواضحة للعرض..
على مستوى الاداء التمثيلي، فان الفنانة بدور وجدت ظالتها في شخصية حنا المصابة بالصرع ومهدت لها هذه الوضعية الانتقال من حالات طبيعية الى حالات متشنجة فسحت مجالا للتلوين في الاداء والتنويع فيه، اما الممثلة اشواق فإنها تبدو في هذا العرض اكثر امتلاكا لأدواتها وأكثر اقترابا من دواخل شخصية الام المأزومة بزوج شرس في التعامل.
فيما قدم الممثل محمد جمعة دور الزوج السكير والمهموم بإنجاب طفل ذكر بدراية عالية، بدا واضحا اشتغاله على التفاصيل.. عرض «حنه» يعيد نبش السؤال القديم الذي يبدو ان علي جمال المؤلف يراه حاضرا الى اليوم، لماذا ينحاز البعض الى انجاب الابناء الذكور؟ لماذا يصبح ميلاد الانثى صاعقة تحط على رؤوسهم؟
تكريم سعد الفرج
على صعيد آخر قال الفنان الكويتي سعد الفرج ان تكريمه من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، بمناسبة فوزه بجائزة الإبداع المسرحي العربي، يعد تكريما لجميع الفنانين الكويتيين وجميع من عمل معهم خلال مشواره المسرحي.
كما تمنى ان يستعيد المسرح العربي حريته وجديته ووعيه لكي يقوم بدوره في توعية الشعوب، وأشار الى ان المسرح لا يحيا الا وسط بيئة ومساحة من الحرية المناسبة، وطالب بضرورة بأن يعي المسؤول اهمية ودور المسرح بناء المجتمعات والتأثير في الثقافة العامة..
جاء ذلك خلال الجلسة التي نظمتها اللجنة العليا لمهرجان ايام الشارقة المسرحية مساء امس الاول بقاعة المحاضرات بقصر الثقافة، وقدمها المسرحي محمد عبدالله، مشيرا الى ان تكريم الفنان الرائد سعد الفرج انما يأتي ليكرم فناناً عربيا ابدع وأخلص في عمله وبقى محافظا على سوية فنية، وهو بمثابة النموذج في الاخلاص والعطاء والصدق الذي يندر وجوده في هذه الايام..
وقد تحدث الفنان سعد الفرج عن مسيرة حياته وبداياته مع المسرح ورفقاء دربه من الفنانين الذين ساهموا معه في تأسيس النهضة المسرحية والفنية في الكويت، واشار الى علاقته بالمسرحي العربي الكبير زكي طليمات الذي جاء الى الكويت في العام 1961 واستمر لغاية العام 1964، حيث اخرج طليمات من مؤلفات سعد الفرج مسرحية «استارثوني وانا وحي»، ثم توالت الاعمال..
وقال الفرج: في تلك الفترة كان طليمات مندفعا لتعليمنا اصول التمثيل والاداء الصوتي فدفعنا الى اعمال مسرحية تاريخية، وكانت تلك الاعمال لا يستسيغها الجمهور، لكنها بالنسبة لطليمات كانت بمثابة ورشات عمل وتدريب تدربنا من خلالها على فنون الاداء.. بعد ذلك اسس سعد الفرج مع الفنانين، خالد النفيسي .
وعلي البريكي وعائشة ابراهيم وآخرين من الفنانين المخضرمين في الكويت فرقة المسرح العربي ومنها انطلقت الاعمال المسرحية التي لاقت اقبال الجمهور.. وقال الفرج: كان لابد ان نعمل بجد وإخلاص وتحد في ذلك الوقت من اجل ان تستمر فرقة المسرح العربي، والا كنا سنواجه مصير اغلاقها..
الفنان الكويتي سعد الفرج من مواليد قرية الفنطاس في الكويت، حاصل على بكالوريوس في الاخراج والانتاج التلفزيوني من كولومبيا بالولايات المتحدة العام 1974 ودبلوم الاخراج المسرحي من لوس انجلوس ودبلوم في الإخراج التلفزيوني من كولومبيا.
ألف وأخرج ومثل للتلفزيون والمسرح والاذاعة، كما شغل منصب رئيس قسم الدراما والنصوص في تلفزيون الكويت من 1962 الى 1984، عمل كمستشار للدراما في تلفزيون الكويت، أدار فرقة المسرح الوطني، عضو مجلس الأمناء للمراكز الثقافية التابع للديوان الاميري بالكويت..
الشارقة- مرعي الحليان

