تبين الدراسات أن نسبة المبدعين الموهوبين من الأطفال من سن الولادة إلى السنة الخامسة تمثل نحو 90% من أطفال تلك المرحلة، وعندما يصل الطفل إلى سن السابعة تنخفض نسبة المبدعين منهم إلى 10%.

وما إن يصلوا إلى السنة الثامنة حتى تصير النسبة 2% فقط، مما يعني أن شيئا ما في المنظومة التربوية التي ترعى الطفولة في تلك المرحلة يتسبب في ضياع تلك المواهب الفطرية، وهنا علينا أن نتنبه للسنوات الخمس الأولى التي تساهم في صقل شخصية الطفل وتساعده على إظهار إمكاناته وإبداعاته.وفي الوقت الحالي يقضي معظم أطفال هذه السنوات الخمس الأولى أوقاتهم إما في الحضانة، أو في البيت مع المربية.. ترى هل تعد الحضانة مكانا مناسبا للطفل؟ وهل يحظى فيها حقا بالرعاية النفسية والصحية، والعقلية؟، وهل تقدم الحضانة ما يعجز عن تقديمه الخدم والمربيات في البيوت؟، سألنا أصحاب الخبرة وبعض الأمهات وكانت هذه هي الإجابات.

أطفال مبدعون

تقول مارغريت أنتوني - مديرة حضانة أطفال في دبي: نستقبل 80 طفلا يوميا، ابتداء من عمر الثمانية أشهر وحتى الأربع سنوات، ولكل فئة برنامج خاص بها، حيث نهتم بهم ونعلمهم الغناء، وأسماء الجمادات، ونأخذهم في رحلات ترفيهية إلى الحدائق، والمراكز التجارية.

والمتاحف، أيضا لدينا العديد من الأنشطة الفنية كالتلوين، والرسم، واستخدام الآلات الموسيقية، كما نهتم بحث الأطفال على تعلم القراءة، والكتابة، واستخدام الحاسوب، من خلال أسلوب تعليمي مرح، حتى ننمي في داخلهم الإبداع، والنشاط، ونكتشف مواهبهم الكامنة.

وعندما سألناها عن المشكلات التي يواجهها الطفل في الحضانة قالت: الحضانة ليست مكانا لإيواء الطفل لبضع ساعات، بل هي مؤسسة تعليمية كاملة ومسؤولة، ففي حضانتنا أطفال من جميع الجنسيات، ونبذل مجهودا كبيرا لإيجاد وسيلة لتسهيل التواصل بينهم، وبالنسبة إلى المشكلات الأكثر شيوعا فهي المشكلات النفسية.

حيث ينتقل الطفل من جو الأسرة إلى جو الحضانة الغريب والجديد عليه، كذلك قد يواجه مشكلات صحية إذا لم تتوفر الشروط النموذجية الصحية في الحضانة، ونحن بدورنا لا نتركهم حتى تتعالى أصواتهم، ولا نعطيهم مجالا للتشاجر مع بعضهم، وكل ذلك بفضل الدروس، والأنشطة، والألعاب التي تكون على مدار الوقت، أيضا لدينا ممرضة مختصة وطبيب يقوم بزيارة أسبوعية لمعاينة الأطفال.

إظهار المواهب

وعندما سألناها عن أهمية وجود مربيات ماهرات في الحضانة قالت: يجب أن تكون لديها خبرة في التعامل مع الأطفال، وأن تكون مقتنعة بمهمتها، كما يجب أن تكون حسنة الخلق بشوشة وصبورة. وحول تفضيل بعض الأمهات للخدم بدلا من إرسال أبنائهن إلى الحضانات قالت مارغريت:

قد تظلم الأم طفلها بطريقة غير مباشرة، حيث تجهل الكثيرات أهمية السنوات الخمس الأولى في حياة الطفل، التي تساعده على صقل شخصيته وإظهار قدراته ومواهبه، وتفضل نسبة كبيرة منهن وضع أطفالهن عند جاراتهن أو أحد أقربائهن، أو جلب خادمة إلى منزل.

وهنا لن تكون للطفل فرصة للخروج والتعلم ضمن مجموعة من الأطفال، والتعرف على العادات والتقاليد والسلوكيات الصحيحة، وتكوين معارف وصداقات، فماذا سوف يستفيد الطفل إن فعلت له الخادمة كل شيء!؟

وماذا تستفيد الأم إن كان طفلها يقضي معظم وقته إما في النوم أو أمام شاشة التلفاز عند جارتها!؟، وللأسف هذا يفسر سبب ارتداء معظم الأطفال للنظارات الطبية في وقت مبكر، وسبب بدانة العدد الأكبر منهم.

وأكدت سلمى جاسم -أم وموظفة- أن الحضانات تدعم الأم العاملة وتخفف من أعبائها النفسية وقالت: أرسل طفلتي إلى حضانة نموذجية جيدة، تحظى فيها طفلتي بالأمن والسلامة، والتغذية، والعناية الصحية، كما تتعلم فيها أسماء الخضراوات، والحيوانات، والأشياء من حولها، وهذا يسعدني، لأنه يؤهل ابنتي إلى دخول المدرسة في المستقبل بجرأة وبدون خوف من الآخرين.

تجارية وغير صحية

وقالت ربة بيت تستقبل أطفال صديقاتها في منزلها: أعمل كمربية للأطفال في بيتي منذ أربع سنوات، وقد استطعت خلالها أن أكسب ثقة العديد من الأمهات، وحاليا أقوم باستقبال عشرة أطفال من مختلف الجنسيات تتراوح أعمارهم من السنة إلى الست سنوات ولم أواجه يوما أي مشكلة، وذلك بسبب اهتمامي بنظافتهم، ورعايتهم بشكل ممتاز. وعن رأيها في الحضانات قالت: هدفها تجاري ولا تقدم رعاية صحية جيدة.

كما يجب، نظرا لكثرة الأطفال، وقلة الممرضات، وعدم وجود مربيات متخصصات في مجال الأطفال، حيث تضم أغلبية الحضانات مربيات صغيرات السن ليست لديهن الخبرة الكافية في التعامل مع الأطفال، وهذا كله يسهم في انتقال الأمراض، وخلق مشكلات نفسية عند الطفل.

وعن الصعوبات التي تواجهها قالت: لا يمانع زوجي من عملي في البيت والحمد لله، فالحياة صعبة ومتطلباتها كثيرة، ولكنني لا أنكر أنني أهملت أبنائي قليلا.

السلبيات أكثر

وقالت سحر أحمد -أم وموظفة: اضطررت لإدخال ابني الصغير إلى الحضانة وقد ندمت فعلا على إدخاله، فقد كانوا لا يهتمون بنظافته الشخصية، مع أنني كنت أضع له بعض الملابس البديلة في حقيبته.

كما كان يعاني دائما من الرشح، والزكام، ويبكي عندما آخذه إلى الحضانة في الصباح، ولكنني الآن قمت بوضعه عند صديقة مقربة تهتم به وبنظافته. وعندما سألناها عن إيجابيات الحضانات قالت: قد يتعلم فيها الطفل بعض الأشياء المفيدة إلا أن سلبياتها تظل أكثر من إيجابياتها.

وقالت أمينة حسين-ربة بيت: أقوم بإرسال ابني إلى الحضانة فقط حتى يتحسن مستواه من الناحية الاجتماعية، والحمد لله، فعلى الرغم من صغر سنه إلا أنه طفل اجتماعي جريء لا يعاني من عقدتي الخجل والانطواء. ولا تثق أمينة بالحضانات العربية وقالت: فيها العديد من السلبيات، وكم كنت أتمنى إدخال ابني حضانة أجنبية، ولكن تكاليفها مرتفعة.

أفضل الخدم

أما ياسمين جمعة-ربة بيت- فقالت: لدي خادمتان اخترتهما بعناية فائقة، وهما تهتمان بأبنائي أثناء وجودي خارج البيت، ولا أرى هناك حاجة للحضانات، وأعتقد أنها لا تقدم شيئا تعجز عن تقديمه الخادمات المدربات، كذلك لا يوجد لدينا في الإمارات حضانة عربية مثالية ونموذجية كما يجب، وقد ذهبت بنفسي لعدة حضانات.

ولكنني تراجعت بسرعة ولم أقم بتسجيل أبنائي فيها بعد أن شممت الروائح الكريهة، ورأيت بعيني اختلاط الأطفال الغير منظم مع بعضهم.

وافقتها الرأي غالية خالد -أم وموظفة-، حيث أكدت على أهمية متابعة الأم لأطفالها وقالت: استقدمت مربية ماهرة، تهتم بأطفالي خلال فترة غيابي عن المنزل، وعند عودتي أقضي معظم وقتي إلى جانب أطفالي، حيث أداعبهم وأقوم بتحفيظهم بعض الأناشيد، كما أتابع معهم بعض أفلام الكرتون، وأنظم لهم وقتهم.

وقالت غالية عن أهمية الحضانات: لا شك أنها لها دور كبير في إكساب الطفل معارف وصداقات جديدة، ولكنها للأسف تعمل على إضعاف لغة الطفل كما تجعلها ركيكة.

بناء الجسور وتكوين الصداقات

لو أردنا معرفة سبب ارتداء معظم الأطفال للنظارات الطبية في وقت مبكر، أو سبب بدانة غالبيتهم، فما علينا إلا معرفة أنشطتهم اليومية وطبيعة المحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، وعلى الرغم من حرص بعض الأمهات العاملات على إبقاء أطفالهن مع الخدم في المنزل.

حيث تكون الرعاية مضاعفة كما يؤكد بعضهن، إلا أنهن يجهلن أهمية الحضانات النموذجية، التي يعد اندماج الطفل فيها بمثابة أول اختبار له في مواجهة الحياة والتعامل مع الآخرين، حيث يستطيع الطفل بناء جسور تواصل مع غيره من الأطفال، وتكوين صداقات عديدة من خلال الرحلات الترفيهية، والأنشطة الجماعية التي تقوم الحضانات.

كما يستطيع الطفل اكتشاف نفسه، وبناء شخصيته، إذ تعد الحضانة البداية الحقيقية لاكتشاف مواهب الطفل، وتوجيهها وتنميتها، وبعد هذا كله، على الأم أن تختار، إما أن يبقي طفلها مع الخدم أو نائما أو جالسا أمام شاشة التلفاز، وإما أن ترسله إلى الحضانة التي ستساعده على التفوق مستقبلا.

دبي - ريما عبد الفتاح