المؤشرات الأولى غالباً ما تكون ضئيلة جداً، لدرجة بأنه بالكاد يمكن ملاحظتها، مثل بدايات أفلام هوليوود.

صيادون قبالة سواحل البيرو يلاحظون مداً أعلى بقليل من المعتاد، رجل يتسكع على شواطئ أحد جزر المحيط الهادي يشعر بأن أمواج المحيط التي تلامس قدميه على الشاطئ الرملي أدفأ من المعتاد، ومزارعون تساورهم المخاوف بشأن العواصف المتربصة بهم.

وسرعان ما يدرك الناس في أنحاء المعمورة بأن خطباً ما قد أصاب مناخ الأرض. سجلات الطقس في كل شيء من الفيضانات إلى فترات الجفاف تبدأ بالتداعي، ومستويات الدمار والضحايا البشرية ترتفع.

السبب يبدو واضحاً: التغير المناخي الناتج عن التسخن الأرضي الذي تسبب به البشر. لكن، بعد حوالي سنة من الاضطراب، يتوقف التغير المناخي، وتتضح هوية المتهم الحقيقي. إنه ظاهرة طقسية لا يوحي اسمها بشدة قوتها: النينو، والذي يعني «الصبي الصغير» بالإسبانية.

وسبب هذه التسمية ان ظاهرة النينو أو «تذبذب النينو الجنوبي» تظهر عادة في موسم احتفالات عيد الميلاد. وهي الظاهرة الأخطر سمعة من بين عائلة من الأنماط الطقسية، التي يمكن ان تعيث فسادا في المناخ العالمي.

وفهم أسبابها وآثارها وظروف ظهورها هو الآن موضوع أبحاث مكثفة ـ لأسباب عديدة ليس أقلها أهمية الحاجة للاستعداد لما قد تجلبه من كوارث طبيعية.

تحدث تلك الأنماط تقريباً كل ثلاث إلى ثماني سنوات، في حالة النينو، مطلقة العنان لحالات طقسية شديدة في أنحاء العالم، ومتسببة بخسائر وأضرار بقيمة مليارات الدولارات.

لكن الآن يعتقد العلماء ان أنماط الطقس، مثل النينو، يمكنها ان تتسبب بأكثر من مجرد اضطرابات عارضة. فهناك دلائل جديدة تشير إلى أنها قد تتآمر معاً لتسبب تغيرات كبيرة في المناخ، وربما تطلق العنان قريباً لموجة من الاضطرابات المناخية العالمية.

لكن لماذا بقيت درجات الحرارة العالمية مستقرة نسبياً منذ آخر حادثة نينو كبيرة؟ تشير الأبحاث الجديدة إلى إحتمال مثير للقلق. فقد كشف تحليل للبيانات المناخية السابقة قام به فريق بقيادة البروفيسور اناستاسيوس تسونيس من جامعة ويسكونسين الأميركية عن وجود صلات بين النينو والناو ونمطين طقسيين آخرين مشابهين.

ووجد تسونيس ان جميع تلك الأنماط تأتي متزامنة مع بعضها مرة كل بضعة عقود. وعندما يحدث هذا، ينقلب اتجاه التغير المناخي من فترات التسخن إلى فترات التبرّد، ثم العكس بالعكس.

وبحسب تسونيس، فإن ظاهرة تزامن الأنماط الطقسية المختلفة حدثت في أواخر السبعينيات، متسببة بانقلاب مناخي تمخضت عنه فترة من التسخن السريع نسبياً. لكن الظاهرة عادت مجدداً مع بداية الألفية ؟ لكن بتأثيرات معاكسة، وهي الآن تساعد في موازنة تأثيرات التسخن الأرضي.

ويشبّه تسونيس هذه التأثير بوظيفة جهاز ضبط الإيقاع يعمل طوال الوقت بغض النظر عن تأثير التسخن العام. ويقول:«هذه الآلية هي التي تتسبب بالتغيرات السريعة مثل مرحلة التبرّد الأخيرة.

لكنها لا تعني ان ظاهرة التسخن طويلة الأمد قد اختفت. وخلاصة هذه النتيجة مثيرة للقلق وهي اننا طوال العقد المنصرم كنا محميين إلى حد كبير من القوة الكاملة للتسخن الأرضي الناتج عن الأنشطة البشرية، بفضل التأثيرات الآنية للأنماط الطقسية العابرة».

جدل محتدم

كم من الوقت سيمضي قبل ان ينقلب اتجاه تأثير تلك الأنماط مجدداً، لتبدأ بتضخيم تأثير التسخن الأرضي؟ يقول تسونيس «بالحكم من واقع التحولات السابقة، يمكن القول بان الأرض ربما تبرد، أو على الأقل لن تتسخن، خلال العشرين سنة المقبلة».

وكما هو متوقع فإن هذه النتائج المثيرة التي توصل إليها الفريق أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط العلمية المعنية بقضايا المناخ. فالبعض ما زال يشكك بصحتها، على أساس عدم كفاية الأدلة، بينما يعتقد البعض الآخر بأن دور النينو والأنماط الطقسية الأخرى يجب ان يأخذ على محمل الجد، لكن تأثيراتها قصيرة الأجل ولا تمتد لسنوات.

ويقول دكتور آدام سكايف، من مكتب الأرصاد الجوية في بريطانيا «نتفق مع تسونيس في أن النينو يمكن ان تغير معدل التسخن الأرضي بشكل مؤقت. لكن نتيجة للمستويات المتزايدة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، سيزداد معدل التسخن الأرضي في المحصلة». وإذا صدقت هذه النتائج، فإننا ربما نعيش الآن في فترة الهدوء الذي يسبق العاصفة.

ولا أحد يعرف بعد متى ستنتهي هذه المهلة، لكن يبدو أن 10 سنوات قد انقضت منها إلى الآن، وربما لم يبق منها بقدر ما مضى.