للوهلة الأولى يبدو المشهد وكأنه مأخوذ من برنامج عجائب الحياة البرية. سحابة متلوّية من النقط السوداء تتحرك ممتدة في السماء. إنه بلا شك أحد أعظم المشاهد في العالم الطبيعي، وبينما تقترب السحابة أكثر، يمكنك ان ترى السبب.
داخل السرب، تتحرك كل نقطة وحدها، وكأنها تهتم بشؤونها الخاصة. لكن الحركة الإجمالية للسرب بأكمله تبقى متناغمة، إذ يحلق السرب وكأنه جسد واحد، وذلك بفضل براعات فائقة في الملاحة أو نوع من الفوضى المنظمة.
وبينما يقترب السرب أكثر، تتضح درجة غرابته أكثر فأكثر. فالذي كان يبدو من بعيد وكأنه سرب من مئات الحشرات الطيارة هو في حقيقة الأمر آلات ميكانيكية صغيرة من صنع الإنسان.
والآن اتضح للعيان ان ما كان يبدو كسرب من الزرازير أو الجراد هو في الواقع سرب من المروحيات بالغة الصغر، لدرجة ان الواحدة منها يمكن ان تحط في راحة يدك.
إنها روبوتات متطورة، ومهمتها بسيطة للغاية: العثور على البشر. «إن سرباً كهذا من المروحيات ذاتية الحركة يمكن ان يكون مفيداً جداً في البحث عن الناجين بعد الكوارث»، كما يقول البروفيسور باي زانغ.
الذي قام أخيراً ببناء أول نماذج أولية لسرب المروحيات الروبوتية الصغيرة، والتي أطلق عليها اسم «سنسورفلاي». «ففي أعقاب الزلازل أو الحرائق، تعتبر إمكانية إرسال المعلومات المتواصلة عن الجدران المنهارة أو الناجين العاجزين عن الحركة ميزة لا تقدر بثمن بالنسبة لفرق الإنقاذ البشري».
ويعتبر «سنسورفلاي» الذي يعمل عليه زانغ في جامعة كارنجي ميلون بالولايات المتحدة أحدث سرب روبوتات يطلق له العنان في العالم (أو على الأقل في المختبر).
إنه مفهوم مستقل في علم الروبوتات، يسعى لبناء شيء مختلف تماماً عن الخادم الروبوتي الناطق، الذي شاع الحديث عنه في الخمسينات. وبحسب مبدأ الروبوتيات السربية، فإن 200 رأس معدني أفضل من واحد.
واستلهاماً من الحشرات الاجتماعية الكادحة، مثل النمل والنحل، يعتقد الباحثون بأن نوعية المهام التي ستوكل إلى الروبوتات في المستقبل سيتم إنجازها بأفضل طريقة ممكنة باستخدام عدد كبير من اليرقانات الروبوتية التي تعمل معاً.
ومثلما تتمكن مستعمرة النمل من العثور بسرعة على مصدر الغذاء عندما يسعى جميع أفرادها بحثاً عنه، فإن احتمالات العثور عن ناجين أحياء في أعقاب الزلازل ترتفع بشكل كبير، إذا ما أوكلت مهمة البحث عنهم إلى فريق يتألف من مئات الروبوتات المنمنمة.
ويقول البروفيسور ألان وينفيلد، عالم الروبوتات في جامعة وست إنجلاند الإنجليزية: «السمة الرئيسية للسرب الروبوتي هي ان الروبوتات تنطلق في جميع الاتجاهات وفي مختلف أنواع التضاريس لتصل حتى إلى أضيق الأماكن التي يستحيل للبشر الوصول إليها.
ولذلك سيكون لها عدد هائل من التطبيقات. فإذا أردت تفجير حزام من الكويكبات السيارة، فلا ترسل مركبة فضائية واحدة، بل سرباً من المركبات الصغيرة. وإذا أردت بناء بيئة صالحة للحياة على سطح المريخ، فأرسل حمولة من المواد الخام، وسرباً من الروبوتات لتجميعها».
والأسراب الروبوتية بحد ذاتها ليست فكرة جديدة، لكنها بدأت تزداد تطوراً بوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة، حيث تم تصميم أحدث أجيالها، بحيث يقوم بطيف كبير ومتنوع من المهام المذهلة، بدءاً من حصاد المحاصيل الزارعية والقيام بمهام المراقبة الحساسة إلى السباحة داخل أوردة الإنسان لإيصال العقاقير الدوائية.
لكن وينفيلد يعتقد ان أول سرب روبوتي يشق طريقه خارج حدود المختبر، سيأتي من ميدان يعج منذ الآن بالروبوتات وهو ميدان الحروب. ويقول: «يؤسفني القول ان أول أسراب روبوتية ستدخل الخدمة الفعلية في المجال العسكري، الذي يحظى عموماً بميزانيات كبيرة.
وأعتقد اننا سنرى عما قريب سرباً من الطائرات الصغيرة الروبوتية، التي يقوم عامل بشري بالتحكم بواحدة منها بينما تتبعها البقية مثل سرب الطيور».
ولقد ثبتّت القوات المسلحة الأميركية بالفعل أول طلب شراء لأول أسطول روبوتي جوي. ففي عام 2008، منح مختبر أبحاث الجيش الأميركي عقداً بقيمة 38 مليون دولار إلى شركة «بي إيه إي سيستمز» لقيادة فريق من الباحثين في تطوير سرب من اليرقانات الروبوتية التجسسية لاستخدامها في مهام الاستطلاع.
وهذا المشروع الذي اطلق عليه اسم «ماست» قيد الإنجاز الآن، ويبدو ان الشركة متلهفة لاستعراض إمكانيات روبوتاتها المتطورة.
ففي شريط فيديو يعتمد طريقة التمثيل الحاسوبي، عرضته الشركة لصحافيين من «بي بي سي فوكس»، تظهر عناكب فائقة الرشاقة، وهي تتسلل إلى داخل مبنى يختبئ به إثنان من الإرهابيين. ثم تتعقب الأهداف المطلوبة، مرسلة صور الفيديو إلى الجنود الذين يطوقون المبنى من الخارج.
مراحل أولية
حتى الآن لا تزال معظم أبحاث الأسراب الروبوتية في مراحلها الأولية من حيث الذكاء والقدرات الذاتية، لكن الباحثين بدأوا يتخيلون المستقبل من الآن، إذ يعمل وينفيلد مع علماء الروبوتات في عشر جامعات أوروبية على تطوير سرب من الروبوتات الدقيقة القادرة على فعل أشياء لا تستطيع حتى الحشرات فعلها.
ويقول وينفيلد: «ما نحاول بناؤه الآن هو سرب من الروبوتات القادرة على التحرك كسرب عند الحاجة، والقادرة أيضاً على تجميع نفسها على شكل كائن ضخم ثلاثي الأبعاد ينهض ويمشي على الأرض، إذا اقتضى الأمر».
إعداد: علي محمد
