تفاجئنا الحياة مع كل طلعة شمس بما تحمله لنا من قصص بعضها عادية وأخرى غريبة ومفجعة، وبعضها لا يحمل أسباباً واضحة لحدوثها، والغريب فيها أنها جميعاً تضرب على الوتر الحساس، لتثبت بأن «عرق الحياء» قد قطع عند البعض.
ورغم كثرتها فهي تشترك بكثرة الهموم والمشكلات التي تخلفها والتي قد تؤدي في بعض الأحيان إلى القطيعة والضياع، وهو الذي عانت منه فاطمة لسنوات طويلة، حيث كان الشيطان حاضرا في بيتها ليهيئ كل شيء ليشعل الخلاف بينها وبين زوجها الذي اعتاد على إحياء ليالي الانس» في كل مكان يمكث فيه.
تعترف الزوجة بأنها ورغم محاولاتها الكثيرة للحفاظ على زوجها بأنها كانت مقصرة بعض الشيء معه، ولكن يبدو أن عيون زوجها الزائغة وثراءه كانا سببين كافيين لأن تتكاثر عليه الفتيات من مختلف الجنسيات اللواتي نجحن في كسب وده وإخراجه من قوقعة بيته نحو ردهات الفنادق والنوادي الليلية.
في كل مرة كان الزوج يخونها كانت تشعر بنار تحرق قلبها لا تستطيع معها التنفس، وتبقى كذلك لحين عودته إلى البيت لتبدأ المواجهة بينهما وسرعان ما ينهار الزوج أمام أسئلتها معترفا بما اقترفته يداه، وليبدأ بمسلسل التسامح والتعهد بعدم العودة مرة أخرى إلى هذا الطريق، ويستمر في حلقاته حتى ينال رضاها، وهو ما جعل الزوجة التي تركت أهلها ومسقط رأسها لأجله تمتهن فن التسامح كمحاولة منها للمحافظة على بيتها من نار الطلاق.
فهي وحيدة إلا من أولادها هنا في البلد، فأهلها جميعا يقيمون في دولة مجاورة للإمارات، المشكلة الأكبر أنها كانت في كل مرة تصدق كلمات زوجها المعسولة، وتعطيه الفرصة للعودة إلى حضن بيته، وما أن يعود حتى يشعره الشيطان بحلاوة طعم الحرام ليبدأ بجر قدميه نحوه، ويبقى يتحين الفرصة المناسبة لاصطياده.
رغم ما فعلته فاطمة في بيتها لدرجة أنها أنارت أصابعها العشرة شموعا لزوجها إلا أنه في كل مرة كان يعود إلى طريقته السابقة تحت إغراء حديث الفتيات اللواتي حفظن رقم هاتفه المتحرك عن ظهر قلب، لتعود معها زوجته مرة أخرى إلى نقطة الصفر.
لم يدم الحال طويلا بينهما، لأن آخر الدواء الكي فقد قررت مع آخر مرة شعرت فيها بخيانة زوجها أن تطلب الطلاق، رغم إدراكها بأنها بذلك تمسك معولا كبيرا لتهدم فيه بيتها الذي حاولت أن تبنيه بحجارة حنانها لتضم فيه أبناءها الصغار.
وتم لها ما أرادت وتمكنت من الحصول على حضانة الأطفال الذين لم يسأل فيهم والدهم تاركاً إياهم ووالدتهم بمواجهة زمان لا يرحم، ليبقى هو أسيراً في سجون الليالي الحمراء التي أضاع فيها كل ما يملك ليجد نفسه خارج السرب لا تعترف فيه تلك الفتيات اللواتي اعتدن التمتع بماله الذي حرم منه أطفاله الصغار.
بعد الطلاق اجتهدت الأم كثيرا في عملها لتحمي به صغارها، وما كاد يبرد قلبها من ناحية زوجها حتى اشتعل مرة أخرى على أبنائها الذين تخاف عليهم من عثرات الحياة وأيامها التي لا نعرف ماذا تخبئ لهم، تحاول جاهدة أن تبعدهم عن طريق والدهم حتى لا يضيعون بين براثن لياليه.
غسان خروب