«كثيراً ما يواجه الفرد من ذوي الاحتياجات الخاصة مشكلات وصعوبات في حياته، ولكنه يجب أن يكون مبادراً وألاّ يعتمد على غيره، فالفرد منا إذا ما تسلح بالإيمان والحب الصادق للعمل، فسوف يكسب حتماً احترام الآخرين».

هذه الكلمات المعبرة التي قالتها عواطف اكبري هي بمثابة مفتاح لبوابة الأمل أمام كل المعاقين، وحافزا لهم ليجتازوا كل العقبات والتحديات التي قد تقف في طريقهم خلال مشوارهم الطويل في درب الحياة، وتستحق مسيرة عواطف العلمية والعملية أن نرويها للأسوياء والمعاقين لتكون قدوة لهم في حياتهم.

كفيفة منذ الولادة

تقول عواطف اكبري: لقد ولدت كفيفة، ولاحظ الأهل ذلك بالصدفة إذ لم أكن التفت للألعاب التي يقدمونها لي، بعدها أخذني الأهل إلى مجموعة من الأطباء لمعالجة حالتي ولكن دون جدوى ثم التحقت بالدراسة في مركز دبي لرعاية وتأهيل المعاقين.

حتى الصف الثاني الثانوي وكانت الدراسة في المركز تتم بطريقة برايل التي يستخدمها الكفيف في القراءة والكتابة بواسطة اللمس، وكان المدرسون يطلبون منا أداء الواجبات بهذه الطريقة أيضا، ثم التحقت بمدرسة عادية لدراسة الصف الثالث الثانوي مع المبصرين.

ولكن الكتب المدرسية كانت مطبوعة بطريقة برايل، وكنت امتحن عن طريق لجنة خاصة وكنت في هذه المدرسة استعين بزميلاتي في الذهاب إلى أي مكان أريده.

قبول التحديات

بعد أن حصلت على شهادة الثانوية العامة من القسم الأدبي تقدمت بطلب للالتحاق بجامعة الإمارات العربية المتحدة لدراسة اللغة الانجليزية، وقد واجهت رفضا شديدا من المسؤولين بحجة أن هذه المادة صعبة جدا وتحتاج لمهارات خاصة قد لا استطيع تخطيها.

لكن بناء على إصراري تمت الموافقة على طلبي، فاصطحبت مرافقة معي إلى الجامعة لتكتب لي المحاضرات وتسجل بعضها على أشرطة كاسيت وبالنسبة لمتطلبات الثقافة العامة فقد كانت أختي تساعدني في تسجيل المحاضرات على أشرطة، كما أنها تعلمت طريقة برايل وكانت تكتب لي بعض المحاضرات بهذه الطريقة.

لقد واجهت بعض المشاكل خلال دراستي الجامعية تعود إلى عدم توفر الكتب، ورغم ذلك فقد تغلبت عليها ولم يكن استخدام الحاسب الآلي للكفيفين موجودا في عام 1994 سنة التحاقي بالجامعة، لكن اليوم فان الحاسب الآلي مستخدم عن طريق ما يعرف بقارئ الشاشة.

موظفة استقبال

بعد تخرجي من الجامعة بقيت مدة سنتين ونصف السنة وأنا ابحث عن عمل، وتقدمت بعدة طلبات إلى أماكن مختلفة في الشارقة ودبي، ولكن التجاوب كان ضعيفا بسبب عدم ثقة المسؤولين بقدرات الكفيف، حتى أن وزارة التربية والتعليم ردت لي طلبي للتوظيف لأنني كفيفة.

فحاولت خلال هذه الفترة تطوير مهاراتي وقدراتي بالذهاب إلى احد معاهد الكمبيوتر وتعلم الطباعة باللغتين العربية والانجليزية وبرامج الوورد والاكسل والانترنيت باستخدام برنامج قارئ الشاشة>

وبعد إتقان استخدام الحاسب الآلي كنت أرفق شهادات الكمبيوتر مع شهادتي الجامعية في كل طلب وظيفة أتقدم به، لاعتقادي أن هذا أفضل لأية وظيفة إلى أن تم قبولي في مدينة دبي للانترنيت كموظفة استقبال بالشهادة الثانوية العامة.

وكنت أقول لمن يلومني على قبول هذه الوظيفة إنني حددت فترة 8 شهور فقط للعمل في هذه الوظيفة ولا بد أن انتقل إلى غيرها، وكانت النقلة النوعية في حياتي بتكريمي ضمن برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز عام 2001 كأول كفيفة تنال هذه الجائزة.

حيث اصطحبني صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي إلى منصة التكريم.

وكان هذه بحد ذاته اكبر تكريم لي، حيث أعطاني دفعة قوية للأمام بالإضافة للترقية في العمل بالانتقال إلى وظيفة إداري مركز اتصالات، حيث نسجل الملاحظات التي يبديها العملاء على الشركات ونتصل بالشركات لإجراء استبيانات حول استخدام الكمبيوتر وتطوير العمل.

تأسيس تمكين

وعندما بدأت قرية المعرفة والتي تتبع مدينة دبي للانترنيت، كان هناك توجه بافتتاح مركز تمكين المتخصص بأمور الكفيفين، كنت أشارك في حضور الاجتماعات فاقترحوا علي العمل معهم وأصبحت أول موظفة في تمكين، واستلمت في نهاية عام 2003 مهمة منسقة علاقات الأعضاء.

وكنت مسؤولة عن الطلاب واحتياجاتهم، ونوفر لهم دورات في اللغة الانجليزية، ثم أصبحت مديرة قسم التدريب في تمكين، وكنت ابحث عن المعاهد المناسبة للمكفوفين وما يتطلبه سوق العمل، حيث كنا نركز على تعليم اللغة الانجليزية والحاسب الآلي ومهارات خدمة العملاء.

وفي عام 2008 ترقيت إلى منصب مديرة العمليات الداخلية في تمكين، وأصبحت مسؤولة عن كل احتياجات المركز الداخلية وشؤون الموظفين والطلبة وقسم الميزانية والمالية والمشتريات.

دمج المكفوفين

إن الإعاقة شيء عادي ما دام الإنسان يبحث عن هدف ليحققه، وعلى الأهل تقبل وجود الابن المعاق بينهم، وان لا يشعروا بأي خجل بسببه لان هناك للأسف بعض الأهالي يشعرون بالحرج من الابن المعاق أو الكفيف، ويتركونه محبوسا ومعزولا في البيت ويحرمونه من التعليم وهذا خطأ كبير.

ونحن نمارس دورنا في نشر التوعية بين أهالي المعاقين ونبدد خوفهم خاصة على المكفوفين من إصابتهم بالأذى خلال تنقلهم، وقد عملنا في تمكين على معالجة مثل هذه الحالات بالذهاب إلى الأهالي وإقناعهم بإخراج أبنائهم من عزلتهم وإلحاقهم بالتعليم والتدريب.

ولدينا بعض الحالات من هؤلاء المكفوفين الذين يتابعون دراستهم الجامعية، وكما يعمل مركز تمكين على تأهيل المكفوفين وإعدادهم لسوق العمل، فإنه أيضا يسعى إلى توظيفهم ودمجهم في المجتمع، ومتابعة أوضاعهم أثناء العمل.

وقد استطعنا توفير وظائف لعدد منهم في طيران الإمارات ودائرة الإقامة والجنسية في دبي ورأس الخيمة وبعض الشركات والبنوك، وأصبحت المؤسسات لا ترفض توظيف المكفوفين بعد أن اثبتوا قدراتهم وجدارتهم في العمل.

الدراسة باستخدام التقنية

نظرا لتقدير المسؤولين ودعمهم لعواطف أكبري فقد دفعها هذا للتسجيل في كلية دبي للإدارة الحكومية للحصول على درجة الماجستير في الإدارة العامة، وحصلت على منحة من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وأنهت دراستها خلال سنة وكانت أول كفيفة مواطنة تحصل على درجة الماجستير من جامعة محلية.

وقد استطاعت التغلب على المشاكل والضغوطات الشديدة بسبب استمرارها في عملها صباحا، وقد ساعدتها التقنية المتوفرة في تسهيل أمر الدراسة، وكان زميلها احمد الملا مدير العلاقات الخارجية في تمكين يساعدها بتوفير الكتب الجامعية ونسخها بالماسح الضوئي ثم تقوم هي بقراءتها بالكمبيوتر.

اختيار

برنامج دبي لإعداد القادة

انضمت عواطف إلى برنامج دبي لإعداد القادة، الذي تنظمه دبي العالمية ويستمر لمدة عام كامل، ويجمع بين الدراسة النظرية في جامعة «وارتن» بالولايات المتحدة الأميركية، والتطبيق العملي داخل وخارج الدولة وتخرجت منه بنجاح عام 2008.

كأول كفيفة مواطنة، وعن هذه التجربة تقول عواطف: عندما تم اختياري لبرنامج إعداد القادة من قبل دبي العالمية تشجعت ولم أتردد للحظة، وبعزيمةٍ وإصرار التحقت بالبرنامج، لأُثبتَ أن الإعاقة لن تقف حائلاً بيني وبين طموحي.

وعلى الرغم من صعوبة البرنامج ومتطلباته تمكنتُ بأن أكون في صف زملائي، ورافقتهم في سفراتهم وكنت إلى جانبهم في فصول الدراسة وفي ميدان العمل، حتى تكلَّل جهدي بالنجاح وكنت من بين الخريجين.

بطاقة هوية

الاسم : عواطف احمد اكبري

الميلاد : الشارقة

المؤهلات العلمية: بكالوريوس آداب تخصص لغة انجليزية من جامعة الإمارات

ماجستير في الإدارة العامة من كلية دبي للإدارة الحكومية

المسار الوظيفي: مدير العمليات الداخلية في مركز تمكين

دبي - موسى أبو عيد