الحياة مسرح كبير، ميدانها واسع ومضمارها كوني، وحدهم الاستثنائيون من يملكون خصائص الانضمام إلى كوكبة الناشطين المجددين والمؤثرين.

وفي عالمنا العربي تتعدد الرموز التي تنخرط في هذا المضمار فتستحوذ انجازاتها الأضواء بيسر، ومنهم سيدة ترجمت فلسفة حركة التغيير في الحقل الاجتماعي إلى مضمون حي يترجم بدوره قيمة التضامن في بلدها.

استلهمت من المفكرين برامج للإصلاح وخاصة المفكر التونسي الطاهر الحداد الذي حسم الجدل حول تحرير المرأة بكتابه الصادر سنة 1930 من القرن الماضي. والذي شكل به لحظة فارقة وجواباً حاسماً شكل تطورا لافتا للفكر الإصلاحي في تونس، ووعيه بأن في إصلاح أوضاع المرأة إصلاح للمجتمع بأسره.

ليلى بن علي السيدة الأولى في تونس ولدت في أسرة متعددة الأفراد في قلب المدينة العريقة للعاصمة تونس، تلقت من والديها تربية متوازنة تجمع بين التقليدية والتفتح.

حازت على شهادة في الآداب الحديثة من كلية الآداب بتونس، فجمعت بين الثقافة والتواضع،ولا تزال تنتهز كل مناسبة وحدث لتؤكد أنها لا تختلف عن أي تونسية وعربية حين تقول « لا أنسى للحظة إنني زوجة وأم بالدرجة الأولى، أتولى بنفسي القيام بالشؤون اليومية لأسرتي ووفق ما يقتضيه دوري كأم وزوجة».

تؤكد الشواهد المجتمعية على نجاحها في الجمع بين القيام بدورها كزوجة وأم ،وبين جهودها في القيام بأنشطة اجتماعية وخيرية خصت بجزء كبير منها فئات المسنين وفاقدي المعيل والمرأة الريفية، ويتمثل ذلك بدعمها اللامحدود للأسرة للنهوض بمستوى العمل الاجتماعي، حيث يعرف عنها أنها لا تتوقف عند إصدار التعليمات والتوجيهات، بل تبادر لزيارة المواقع للتأكد من إتمام تنفيذ الإجراءات الصادرة.

يعكس إعلانها بتكرار قراءة ما أتمه المبدعون، وفي المقام الأول جبران خليل جبران وأبا القاسم الشابي. توجهها والتزامها بالواجب وقضايا الوطن ومناصرتها الحداثة، بنبذ الركود ونفض التقليد. وانحيازها لحركة الإصلاح والتجديد ومناصرة حركة تحرير المرأة. وإيمانها بقضية المرأة، لكونها تمثل إحدى الدعائم الأساسية للمشروع الحداثي التونسي.

فقد أعلنت «إن الشراكة بين المرأة والرجل في تصريف شؤون الأسرة والمجتمع هي مفتاح التقدم. ولا يوجد ما يعيق الشراكة».

تعمق ذلك لديها بعدما نظرت إلى المستقبل، فدفعت بإرادة صاحبة القرار باتجاه واقع أكثر تقدما في كل ما يخص المرأة، وبما من شأنه أن يرسخ مكانتها ويفتح أمامها أبواب ادوار أخرى تتماشى مع ما بلغته من وعي ونضج ومهارات ومعرفة، وبعدما تساوت الفرص والحظوظ بينها وبين الرجل في مختلف المجالات.

تلفت في مواقف سيدة تونس الأولى ما يؤكد على أصالة مرجعيتها، حضور رؤى المفكرين الإصلاحيين القائمة على مبادئ حقوق الإنسان وهي منطلقها لدعم حقوق المرأة التونسية.

ولم تكتف بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة جراء البروتوكول الاختياري، وإنما عبر القوانين والتغيير الاجتماعي والثقافي، واعتماد مقاربة النوع الاجتماعي في التخطيط التنموي ،على ترسيخ مبدأ الشراكة بين المرأة والرجل في الذهنيات والممارسات في كل المستويات.

وبذلك انتقلت المرأة التونسية بتدرج من التحرر إلى المساواة فالشراكة، وشكلت تونس بتجربة النهوض بالمرأة استثناء عالمياً حازت به سبق الريادة.

فاطمة محمد الهديدي