استذكر المسرحيون مساء امس وسط حضور كبير، في جلسة الوفاء التي نظمتها اللجنة العليا لأيام الشارقة المسرحية اربعة مسرحيين رحلوا في العام الماضي تاركين خلفهم تراكما مهما في الانجاز الابداعي على صعيد المسرح والدراما، وتذكر اهل وزملاء ورفقاء درب الممثل والكاتب والشاعر الراحل سلطان الشاعر، المرحوم الممثل والاذاعي محمد الجناحي، المرحوم المسرحي العراقي قاسم محمد والمرحوم الكاتب والمؤلف الشاب سالم الحتاوي..
حضر الجلسة عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة، واحمد بورحيمة مدير ايام الشارقة المسرحية وعدد كبير من الفنانين العرب ضيوف الايام. ثم تحدث الدكتور محمد يوسف الذي تربطه علاقة حميمة بالشاعر الممثل والكاتب الراحل سلطان الشاعر، مستعيدا ذكريات البدايات، وقال د. يوسف ان سلطان بن سليمان الشاعر ولد في امارة عجمان وتنقل بين العديد من دول الخليج العربي وعمل في العديد من المهن ومنها مهنة البحر، هذا الانتشار والتنقل اكسباه معرفة واطلاعا بأحوال الناس والمجتمع، واشتهر عنه انه شاعر قصيدة اجتماعية لاذعة، ينتقد فيها الاحوال والناس، استطاع ان يلامس مفاصل التبدل الاجتماعي والاقتصادي قبل وبعد ظهور النفط، وقارن في اشعاره بين تلك الانتقالات، فكان لسان حال تلك التبدلات.
واكد د. يوسف ان سلطان الشاعر يعد من مؤسسي حركة الدراما المحلية، خصوصا حينما انطلقت مع قيام الاتحاد من خلال تلفزيون واذاعة ابوظبي. وحينما استقطبت وزارة الاعلام آنذاك الراحل صقر الرشود لتنشيط الحركة المسرحية في الدولة تجاوب سلطان الشاعر مع هذه الخطوة ولازم الرشود حتى رحيله هو الآخر.
بعد ذلك تحدث الفنان احمد الجسمي عن الراحل محمد الجناحي مشيرا الى انه فنان نادر في الالتزام والاخلاص في العمل، ويرجع اليه الفضل في تأسيس الدراما الاذاعية في اذاعة ابوظبي والوقوف الى جانب الشباب وتشجيعهم على ولوج الاذاعة والتلفزيون.
وكان في شبابه فتى الشاشة الاوحد، وكان شعلة من النشاط والتوقد، لا يهدأ فهو يعمل ليل نهار، وكان حريصا على تأصيل فن الدراما الاذاعية، وكانت له رحمه الله علاقات واسعة على امتداد الوطن العربي ومع فنانين كبار، شارك في اعمال درامية مصرية، ومسلسلات عربية بدوية، وحتى ايامه الاخيرة كان في قمة عطائه الفني. اما الفنان عبدالله صالح فقد تناول علاقته بالراحل الكاتب سالم الحتاوي الذي رحل عن عمر يناهز 48 عاما.
وقال صالح وهو يغالب الدموع اتذكر الآن اول يوم التقنيا فيه حينما اختارني المخرج عمر غباش لبطولة احلام مسعود. 1993 ويومها التقيت ذلك الفتى الاسمر صاحب الابتسامة المميزة، ومنذ تلك اللحظة انطلقنا سويا في المسرح والدراما، وكنت محظوظا ان اعمل في اغلب اعماله المسرحية، وكنا نقضي ساعات يومنا سويا نكتب ونفكر.
لقد كان رحمه الله معطاء وحققت نصوصه نجاحات في ايام الشارقة المسرحية، ولو كان له عمر اطول، لكان تأثيره ككاتب مسرحي ودرامي له شأن كبير في ايامنا المقبلة. لقد خسرته الساحة المسرحية وخسرت فكره ونصوصه.
اما المخرج العراقي محمود ابو العباس، فقد تناول علاقته بالراحل المسرحي العربي قاسم محمد كونه احد تلاميذه الذين تتلمذوا على يديه، وقال ابوالعباس ان الراحل المخرج قاسم محمد كان مفصلا تاريخيا وفنيا مهما في الحركة المسرحية العراقية.
خصوصا بعد عودته من موسكو التي اكمل فيها تعليمه العالي، ليعود معلما وفاتحا افق المسرح امام مئات من المسرحيين العراقيين، لقد اسس بوزيدون للمسرح الملحمي والواقعية السحرية، وكان يحمل مشروعا حداثويا ونهضويا للمسرح العربي، وقف ضد الظلم وضد تمزيق العراق بالحروب خصوصا في مسرحيته «الارض والعطش والانسان».
اقام محمد قاسم العديد من الورش المسرحية التدريبية في ارجاء مختلفة من الوطن العربي، في القاهرة في مركز الهناجر وتونس وآخرها قبل وفاته ورشته التدريبية في الجزائر، وعلى رأس هذه الاعمال اخراجه لمسرحيات صاحب السمو حاكم الشارقة، هولاكو والقضية والواقع صورة طبق الاصل. وكانت تربطه علاقة حميمة بمسرح الشارقة الوطني، وكان يعشق الامارات والشارقة على وجه الخصوص.
وكان له الاثر في مجيئي الى دولة الامارات، حينما هاتفني وقال لي: تعال الى الامارات، انهم اناس طيبون ويحبون المسرح، تتلمذت على يديه مثل العديد من المسرحيين العراقيين والعرب، وقد ترك قاسم محمد لمكتبة المسرحية العربية نصوصا وبحوثا كثيرة مهمة.
وكان زيدون ابن الراحل قاسم محمد قد القى كلمة في الجلسة نيابة عن اسرة الراحل شكر فيها صاحب السمو حاكم الشارقة على توفير مظلة الرعاية له ولأسرته، وتحدثت الممثلة العراقية شذا سالم عن تجربة عملها مع الراحل، والقى الفنان العراقي عزيز خيون قصيدة في قاسم محمد اشار فيها الى تلك اللقاءات الحميمة التي جمعت بينه وبين الراحل.
يوم وفاء
يوم الوفاء، جمع خمسة متحدثين، المسرحي محمد عبدالله، الفنان احمد الجسمي والدكتور محمد يوسف والفنان المخرج العراقي محمود ابوالعباس والفنان الممثل عبدالله صالح..
حيث افتتح الجلسة محمد عبدالله، مشيرا الى ان الساحة المسرحية المحلية والعربية افتقدت في العام الماضي اربعة عملاقة مسرحيين، كل منهم ترك بصمة وتاريخا ومنجزا مهما، وطلب في البداية قراءة الفاتحة على ارواحهم، ثم عرج على بعض المحطات التي التمعت فيها ادوارهم والتمع فيها حضورهم في الحراك المسرحي وكيف انهم تركوا ارثا ثمينا ينم عن اخلاص وعطاء نادر في العمل المسرحي.
وتذكر اهل وزملاء ورفقاء درب لحظات ومحطات، استعادت مسيرة الراحلين، الذين ودعوا الساحة وبقت لمساتهم فوق خشبات المسارح ومكتبات النصوص وارشيف الاعلام. فاضت الدموع وهي تجاري فيضان الذاكرة بين منصة المتحدثين وبين جمهور الحضور، واسترجع الجميع منجزات هؤلاء الذين اخلصوا لفنهم وثقافتهم وهوية مجتمعهم، وتركوا ما غرسوه في الارض لمن بعدهم.
«ريا وسكينة» تتناول انتقام الضحية من جلادها
الظالم المتغطرس، المرأة والرجل، القهر وانتزاع الكرامة والحرية، الحب الجارف المفضي الى النهايات المأساوية، مقاومة الطغيان.. كلها عناوين لقراءات قد تنطلق من دلالات عرض مسرحية (ريا وسكينة) التي قدمتها فرقة مسرح خورفكان مساء امس الاول في اطار مسابقة ايام الشارقة المسرحية، والعرض من تأليف محسن سليمان الذي يخوض التجربة الاولى له في الكتابة المسرحية، ومن اخراج حسن رجب.
لا يبتعد نص (ريا وسكينة) عن المفاصل الرئيسية للحكاية المصرية الاصل، قصة السفاحتين اللتين عاشتا زمنا على قتل الرجال والنساء وسرقة ممتلكاتهم من حلي واموال، يساعدهما في ذلك عازف موسيقي جوال، كان في القصة المصرية عازف (بيانو) محمول، وفي قصة الكاتب محسن سليمان عازف (قربة) يعزف في الافراح ويعشق احدى الاختين، لكنه يتحول الى قاتل حينما يقرر القضاء على شخصية التاجر والمتحكم في السوق (طوفان)، الذي يبدو من دلالة اسمه، رمزا لهذا التسلط والسطو على حقوق الآخرين.. يهدد طوفان الاختين بمصادرة منزلهما نظير الديون التي يدعي ان اباهما تعهد بردها له.
ولكن هذا الاب يرحل عن الدنيا، تاركا ابنتيه عرضة للنهش والطمع. لا يوضح العرض افعالا مفصلية لشر طوفان، ولكن تسرد سردا على السنة الشخصيات.. ليأتي مقتله على يد عازف القربة (مالوه) دون تأثير درامي يرفع من تصاعد الاحداث، لهذا تجري وقائع الحكاية في مستوى واحد، يغلب عليها السرد والروي.
تكتشف ريا وسكنية ان جثة طوفان قد القى بها البحر بالقرب من منزلهما، يجران الجثة الى داخله وتتورطان في الخلاص منها كن (مالوه) الذي يحضر فورا، يعترف بقتله لوطفان للخلاص من شره، وهكذا تلتقي المصالح والرؤى مدفوعة بالحب الجارف الى قتل المزيد من الطغاة والخلاص من الرجال الاشرار..
لينتهي العرض من خلال لوحة شعبية تؤدي طقوس الزار وخطب مباشرة يلقيها الفريقان المتضامنان، سكينة ومالوه وبوعبدالله وريا على يمين ويسار المسرح. خطاب ذهب الى دلالات الخلاص من الشر بمقاومته.
على صعيد التناول الاخراجي، كان الاتكاء على الطقس الشعبي واستحضار مفردات الماضي البؤرة التي اتكأت عليها الرؤية الاخراجية، وكان واضحا ان حسن رجب يعتمد على صوت (القربة) واداء العازف الراقصة والموقعة بالحركة المتقنة لأسطرة مناخ الفرجة، والاستدلال على فعل النفخ، وكأنه جر للأحداث والزمن وعملية تواليها..
اما الديكورات فقد شغلت بواقعية امتدت الى الملابس والمفردات والتفاصيل المتعلقة بالاكسسوارات التي تحضر في بيوت (السعف) القديمة والبراجيل او صيادات الهواء التي تعتلي البيوت.. لم يكن هناك اتكاء صريح على الاضاءة في تحديد الازمنة والامكنة، بل تم التعامل معها ايضا في لحظات معينة، في محاولة لاختزال الاستهلاك الذي طغى على الكثير من عروض الايام.
على مستوى التمثيل، برعت الفنانة غزلان والفنانة (في) في تجسيد دوري ريا وسكينة، وحسن يوسف في تجسيد دور العازف (مالوه) وكذلك رائد الدالاتي الذي لعب دور طوفان واحمد ناصر وحسن التميمي اللذان لعبا دور تاجرين في السوق.
الشارقة ـ مرعي الحليان

