«احصل على الدواء الذي تريده بدون عناء، ولا تكبد نفسك مشقة الذهاب لعيادات الأطباء، وإنفاق الأموال على الفحوصات والتحاليل، فالأمر أبسط مما تتخيل، ليس عليك إلا أن تصف لنا حالتك بدقة، وتحدد ما تعانيه من مشكلات صحية، وتأكّد أن لدينا الدواء الشافي».

«لدينا أعشاب تعالج السرطان، والعقم والعجز الجنسي، ولدينا مستحضرات طبيعية لعلاج الفشل الكلوي، والتهابات الكبد، وأمراض المعدة والمرارة، كما نتميز بخبرتنا العريضة في مجال تخفيض الوزن وشد البشرة وعلاج الصلع الوراثي وما إلى ذلك من مشكلات تجميلية». العبارات السابقة تمثل نموذجاً للإعلانات الطبية المنتشرة على شبكة الإنترنت، والتي تروج لشراء الدواء إلكترونياً، بواسطة بطاقات الائتمان، من أي مكان في العالم. واللافت للنظر في معظم هذه الإعلانات، هو اعتمادها على لغة جذابة وإيحاءات تشير إلى النجاح الباهر الذي يحققه هذا «المنتج الدوائي» أو ذاك... ولا ضير في أن يقدم الموقع روايات لأشخاص جربوا الدواء فتحقق لهم الشفاء التام، وتخلصوا من الألم إلى غير رجعة. أمام هذه الدعاية البراقة، ووسائل الجذب الإعلاني المصممة بخبث ودهاء، كثيراً ما يتهافت المرضى ممن أعياهم الألم، وأوهنهم المرض إلى شراء الدواء عبر الإنترنت، مما يخلق فوضى علاجية، وظاهرة تستدعي المراجعة.

مخاطر جسيمة ... ويحذر الدكتور عامر عثمان «خبير التقييم الدوائي» من مخاطر شراء الدواء عبر الإنترنت قائلا: في الوقت الذي تمكنت معظم دول العالم من محاصرة الدجالين والأفاقين ممن يزعمون أنهم معالجون بالأعشاب، تفشت ظاهرة بيع وهم الشفاء على شبكة الإنترنت، وبينما كانت محاربة الدجل العلاجي ممكنة على الأرض، ظلت محاصرة الظاهرة إلكترونيا بالغة الصعوبة، نظرا للصعوبات الفنية والتقنية المتعلقة بهذا الأمر. ويضيف: إن الطبيعة الخاصة بالشبكة العنكبوتية، والإقبال المتزايد الذي تحظى به، قد دفع المتربحين من تجارة الدواء مع التحفظ على مفردة الدواء إلى استخدامها لترويج منتجاتهم ومن ثم تحقيق الأرباح السريعة غير الشرعية. وذلك من دون أدنى اهتمام بما ستؤدي إليه هذه العملية من أعراض جانبية وآلام نفسية للمرضى المخدوعين.

ومن الملاحظات التي يجب على الجميع أخذها في الاعتبار، أن شراء الدواء عبر الإنترنت، وخاصة من المواقع غير المشهورة أو سيئة السمعة، لا يحمل البائع أية مسؤولية قانونية أو أخلاقية، خلافا لشرائه بالطرق الشرعية...

ففي الواقع يستطيع المريض في حال أصيب بأعراض جانبية، أن يقاضي الطبيب أو الصيدلاني، لكن في «الواقع الافتراضي» قلما تتوصل الجهات المعنية إلى الجناة، الذين سرعان ما يلوذون بالفرار بأرباحهم الطائلة.

ويتابع الدكتور عامر الحديث عن مخاطر ما يسميه بالتداوي العشوائي عبر الإنترنت قائلا: أبرز هذه المخاطر تكمن في أن المريض «المستهلك» لا يعرف شيئا عن حقيقة ما يشتريه، حيث لا تتوفر دراسات طبية حول مستوى أمان الدواء، ولا يكون عادة معتمدا من أية مؤسسة طبية مرموقة، مثل منظمة الأغذية والأدوية أو الهيئة الأوربية للدواء.

كما لا يعرف المريض المعلومات الضرورية حول العناصر والمكونات الداخلة في تركيب الدواء، ولا يعرف أساليب تخزينه بشكل آمن، ولا تتوافر معلومات دقيقة حول مخاطر زيادة الجرعة والأعراض الجانبية وكيفية التعامل معها، وتاريخ الصلاحية، الأمر الذي يجعل من الأمر كله مغامرة محفوفة بالمخاطر، وصفقة خاسرة.

موروث ثقافي

ويستهل الدكتور خالد عبد الفتاح «مسؤول صيدلاني بأحد المستشفيات الخاصة» حديثه بالقول: في عالمنا العربي لدينا موروث ثقافي متراكم يتعلق بأساليب التداوي، واللجوء إلى الحلول السهلة، وهذا الموروث تعبر عنه أمثلة شعبية على شاكلة «اسأل مجربا ولا تسأل طبيبا» وهي أمثلة راسخة إلى درجة تجعل منها قاعدة لا تحتمل النقاش لدى العامة!

وفي ظل هذه الثقافة، واختلاط الحابل بالنابل، كثيرا ما يقوم المريض بتشخيص مرضه وتحديد الدواء من تلقاء نفسه. ويضيف: لو عقدنا مقارنة بين واقعنا العربي، والواقع في البلدان المتقدمة، لوجدنا أن الناس في البلدان المتقدمة يعرفون حدود معارفهم، ولا يمارسون هذه السلوكيات الخاطئة والتصرفات العشوائية فيما يتعلق بصحتهم، ومن ثم يلجؤون إلى الطبيب عند إصابتهم بأية وعكة صحية، مهما كانت بسيطة.

ويقول: على الرغم من أن الجهات المعنية بالدولة، تراقب عملية دخول الدواء بشكل دقيق، وهناك تشديد في مختلف منافذ الدولة، إلا أنه البعض يبتاع الدواء ويدخله إلى الدولة بصحبة أحد معارفه، أو في حقائبه الشخصية، أثناء عودته من الخارج، وعادةً ما تكون هذه الأدوية من المكملات الغذائية والمقويات والفيتامينات والمستحضرات العشبية.

ويضيف: إن بعض المرضى يزعمون بأن «كل الأعشاب» غير ضارة بالصحة، وتناولها لن يضر إن لم يفيد، وهذه مقولة خاطئة بالكامل، لأن هناك أعشاب تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وأخرى تسبب مشكلات كلوية، وبعض الأعشاب قد تسبب النزيف الداخلي، مما يعني أن الطبيب المتخصص فقط، هو القادر على وصف الدواء المناسب للمريض، حسب حالته ووفقاً للفحوصات التي تجرى له.

دواء سحري

من جهته يقول الدكتور وائل المحاميد نائب الرئيس الطبي لمدينة خليفة الطبية: من المتعارف عليه طبيا أنه لا يوجد دواء سحري يعالج من كل داء، كما لا يمكن القول بأن علاجا ما يمكن أن يعالج كل الحالات، بغض النظر عما يكون بينها من اختلافات.

وهذه المسلمة الطبية، لابد أن تقودنا إلى نتيجة بديهية أخرى، ألا وهي أن معظم الإعلانات عن الدواء على الإنترنت، خادعة وكاذبة ومضللة، وأن هذه التجارة غير المنضبطة ليس لها أهداف إلا تحقيق الأرباح السريعة، عبر أية وسيلة، سواء من خلال ترويج الأكاذيب عن فاعلية «السلعة» أو بواسطة إخفاء المعلومات حول الأعراض الجانبية التي تنجم عن الدواء.

ويؤكد الدكتور وائل أن استخدامه لمصطلح سلعة استخدام مقصود لأن المستحضر الذي لم يخضع لفحوصات معملية، وتجارب على متطوعين، لا يمكن اعتماده وترويجه وتناوله حتى لو كان عشبيا، والقول بأن هذا المستحضر مستخلص من عناصر طبيعية، ومن ثم ليست له أعراض جانبية.

غير دقيق طبيا، لأن هناك أعشابا لا يجوز لبعض المرضى تناولها، لما قد تشكله من مخاطر عليه، ومثال ذلك عشبة العنّاب أو الكركديه التي قد تساعد مرضى الضغط المرتفع، فيما قد تؤدي إلى إصابة مرضى الضغط المنخفض بهبوط في الدورة الدموية.

أما عن كيفية التصدي لهذه الظاهرة فيقول المحاميد: المريض هو المسؤول الأول والأخير، فعليه أولاً ألا يمشي معصوب العينين، وراء تجار الوهم، وعلى برامج التثقيف الصحي أن تولي المزيد من الاهتمام بمحاربة الظاهرة السلبية، هذا بطبيعة الحال بالتزامن مع الرقابة الصارمة على الطرود البريدية الواردة إلى الدولة.

كما يجب علينا أن نهتم بتثقيف الرأي العام، بأن تجارة الأدوية المغشوشة أو المقلدة، تعد واحدة من أخطر الممارسات الإجرامية على مستوى العالم، حيث تقف وراءها شبكات منظمة، وتشكيلات إجرامية تجني ملايين الأرباح غير المشروعة.

ويضيف: وعلى المريض أيضا أن يدرك، أن الدواء المغشوش ليس بالضرورة يسبب له أعراضا خطيرة، أو الدواء ذو التأثير المضر، فقد يكون بلا تأثير على الإطلاق، وخال من المواد الفعالة، كما يجب أن يعرف أن عملية الكشف عن العقار المغشوش عملية معقدة، وتتطلب تحاليل مخبرية دقيقة.

ويقول: إن دخول الدواء إلى الدولة، يخضع لإجراءات رقابة مشددة، إلى درجة أن وزارة الصحة، ترفض إدخال بعض الأدوية التي تطلبها مدينة خليفة، وهي مؤسسة حكومية، من دون أن يكون الدواء مسجلاً ومرخصاً، وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن هناك درجة عالية من الحرص على صحة المرضى على أرض الدولة، لكن تبقى المشكلة مقتصرة على ما يسمى بأدوية الكاونتر، كمستحضرات التجميل والمكملات الغذائية، وأدوية تخفيض الوزن.

وبناء العضلات، وما إلى ذلك من منتجات، فهذه بحكم تصنيفها خارج نطاق الأدوية، قد تدخل إلى الدولة بطريقة أو بأخرى، ومن الممكن بطبيعة الحال أن تكون مغشوشة فاسدة، وتؤدي لمخاطر جسيمة على مستخدميها.

أما الدكتور أمين الأميري « المدير التنفيذي لشؤون الممارسات الطبية في وزارة الصحة فيقول: إن إدخال أي صنف دوائي، إلى الدولة عبر الإنترنت، أو بأية وسيلة أخرى، دون الحصول على موافقة الوزارة، يمثل عملية غير شرعية قانوناً، وذلك لأن القوانين التي تنظم استخدام وتداول الأدوية في الدولة، تنص على أنه لا يجوز شحن دواء من الخارج إلا من خلال الوكيل المعتمد.

ورداً على سؤال عما إذا كان إغراء السعر المنخفض يمثل دافعاً للبعض للشراء من خارج الدولة، يقول: أستطيع مطمئناً أن أجزم بأن معظم المنتجات الدوائية التي يتم تداولها على الشبكة العنكبوتية بسعر أرخص، منتجات مغشوشة، وذلك لأن سياسة التسعير الدوائي التي تتبعها الوزارة تقوم على الحرص على توفير كافة الأدوية بأسعار لا تزيد عن الأسعار العالمية.

والمتعارف عليه أن الأسعار في الإمارات ثاني أرخص أسعار على مستوى دول مجلس التعاون لدول الخليج، وذلك نظرا لأن الإمارات تنتهج سياسة رفع القيود الجمركية، خلافاً لمعظم بلدان العالم، التي تفرض ضرائب عالية على الدواء المستورد.

ولا يستطيع البعض أن يتحجج بعدم توفر منتج دوائي ما على أرض الدولة، لأن الوزارة تهتم بأن تتوافر كافة الأصناف الدوائية، وأيضاً توفير المنتجات البديلة لكل دواء، بواقع خمسة إلى ثمانية بدائل.

يضيف: على المرضى أن يتأكدوا من أنه الدواء المتداول في الدولة، يخضع لرقابة صارمة ودقيقة قبل ترخيصه، وهناك مجموعة إجراءات صارمة للترخيص والتسجيل، من أهمها: أن يكون الدواء مسجلاً عالمياً، وأن يتم فحصه من قبل مختبر الرقابة المركزي، التابع للوزارة.

كما يجب أن يكون الصنف الدوائي المراد تسجيله معتمداً ومستخدماً في البلد المنتج له، ولابد فضلاً عما سبق أن يكون الدواء، معتمداً من الهيئة الأوربية للدواء، أو منظمة الأغذية والأدوية، أو الهيئة الاسترالية للدواء.

ويقول: وبعد تداول الدواء وترخيصه، يخضع للرقابة، بأكثر من طريقة فبالنسبة للصيدليات الخاصة، فإنه لا يمكنها بيع دواء غير مسجل وغير مرخص بتداوله في الدولة، هذا بالإضافة إلى الرقابة على الأدوية المتداولة والمحظور تداولها بغير وصفات طبية، مثل المؤثرات النفسية والعقلية.وعلى أي حال...

ما ينبغي تأكيده أنه في ظل اختلاط الغش التجاري بكل شيء، ووجود المتربحين الذين لا هم لهم إلا حصد الأموال، يجب على المريض أن يأخذ الحيطة والحذر، وعليه أن يعي أن مسألة الكشف عن الدواء المغشوش مسألة معقدة، وتتطلب الكثير من الفحوصات، التي ليست في وسعه، ومن ثم عليه أن يتجنب مواقع الزلل، وألا يغامر في أمر يتعلق بصحته.

دراسة أسترالية

أكدت دراسة علمية أسترالية أن شراء الدواء عبر الإنترنت يعرض المرضى لمخاطر جسيمة ويؤدي إلى نتائج قد تكون كارثية.

وقالت الدكتورة تريسي بيسيل من جامعة موناش بولاية فيكتوريا: إن الصيدليات التي تتخذ لنفسها مواقع على الشبكة العنكبوتية قلما توفر للمرضى المعلومات العلمية الدقيقة حول فوائد ومخاطر الدواء مما يعرضهم لمخاطر سوء الاستخدام.

وفي مسح نشر في دورية «كواليتي آند سيفتي إن هيلث كير» لمواقع 240 صيدلية على الإنترنت تم التوصل إلى أن 41 صيدلية إلكترونية لا تقدم معلومات عن منتجاتها.

وأوضح المسح أن نحو ثلثي المواقع تقدم بعض المعلومات ولكن نوعية البيانات المقدمة على 53 موقعا من بينها تفتقر بشدة إلى الجودة. ولم يقدم سوى 30 موقعا في المسح الذي تضمن صيدليات إلكترونية في 13 دولة بينها الولايات المتحدة وبريطانيا روابط لمواقع أخرى. وقدم ما يقل عن 30 موقعا معلومات عن الأمراض.

وباعت نحو 27 صيدلية إلكترونية عقار «سانت جون ورت» وهو عقار تكميلي لعلاج الاكتئاب البسيط، ولكن ثلاث صيدليات فقط حذرت من مخاطر تفاعله مع عقاقير أخرى للقلب والصرع ومنع الحمل.

الصحة العالمية تحذر من شراء الدواء إلكترونيا

قالت تقارير لمنظمة الصحة العالمية أن ما يزيد عن نصف الأدوية المتداولة على الإنترنت أدوية مغشوشة، وان الغش التجاري في هذا المجال لم يعد مقتصرا على أدوية علاج الصلع ومستحضرات تفتيح البشرة وإنقاص الوزن وإنما أصبح يمتد ليشمل أدوية قصور القلب والشرايين والفشل الكلوي والسرطان.

وحذر رئيس جمعية المستحضرات الطبية الألمانية مانفريد شوبرت زيلافيش من الغش الذي يمكن أن يقع فيه الأشخاص الذين يشترون الأدوية عبر الإنترنت ونصحهم بالتأكد من الجهة التي تبيعها.

وقال زيلافيتش: إن هناك طرقا لتمييز صيدليات الإنترنت الجديرة بالثقة عن الصيدليات المشبوهة مشيرا إلى أنه لا بد أن تحتوي مواقع الصيدليات على الإنترنت على بيانات كاملة عنها ورقم هاتف للإجابة على استفسارات العملاء.

وأضاف: إنه لا بد أن يكون العملاء أيضا على حذر إزاء بائعي الأدوية الذين يعلنون بطريقة مبالغ فيها أو الذين لا يشترطون وصفة طبية (وصفة) للأدوية التي تحتاج إلى ذلك. وقال: «يشكل الغش في الأدوية خطرا كبيرا على الصحة، وعلى أسوأ تقدير فإن المواد الفعالة غير الصحيحة يمكن أن تؤدي إلى الوفاة».

تحقيق- محمد مصطفى موسى