خلص فريق من الباحثين إلى أن أول تدجين للكلاب من فصيلة الذئاب حدث على الأرجح في مكان ما بالشرق الأوسط، وذلك بخلاف النتائج السابقة التي أشارت إلى أن نشأة الكلاب كانت من شرق آسيا.

وهذه النتائج الأخيرة تحدد مكان أول تدجين للكلاب في مكان أول تدجين للنباتات وأنواع أخرى من الحيوانات، وتعزز الصلات بين دخول أول حيوان إلى المجتمع البشري وابتكار الزراعة الذي تلا ذلك، قبل حوالي 10 آلاف سنة.

كما أن الأصل الشرق الأوسطي للكلب يبدو أكثر انسجاماً مع الأدلة الأثرية، ويمكن علماء الوراثة من سرد التاريخ الكامل لنشأة وتطور الكلب، بدءاً من أول اقتران بين الذئاب وإنسان الجمع والصيد قبل حوالي 20 ألف سنة وصولاً إلى تهجين العديد من السلالات التي نعرفها اليوم على أيدي هواة الكلاب في العصر الفيكتوري.

ولقد قام فريق الأبحاث بقيادة بريدجيت فونهولت وروبرت واين من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس بتحليل مجموعة كبيرة من الشيفرات الوراثية الكاملة لسلالات عديدة من الكلاب والذئاب من مختلف أنحاء العالم.

وبتتبع الحلقات المتشابهة في سلاسل الـ «دي إن إيه»، وجد الباحثون ان الشرق الأوسط هو المكان الذي يضم أكبر قدر من التشابه الوراثي بين الكلاب والذئاب، برغم وجود منطقة أخرى تتسم أيضاً بنسبة شبه كبيرة بين النوعين، وهي شرق آسيا.

وخلص الباحثون في دراستهم التي نشرت في العدد الأخير من مجلة «نيتشر» إلى أن الذئاب دجّنت لأول مرة في الشرق الأوسط، لكن بعد أن انتشرت الكلاب إلى شرق آسيا، حدث تهجين أدخل المزيد من جينات الذئاب إلى الكلاب.

وهناك أيضاً دلائل أثرية تؤيد هذه الفكرة، على اعتبار أن بعض أقدم بقايا للكلاب كان قد عثر عليها في الشرق الأوسط، ويعود تاريخها إلى ما قبل 12000 سنة تقريباً.

والبقايا الوحيدة الشبيهة بالكلاب التي تسبق هذا التاريخ، عثر عليها في بلجيكا في موقع عمره 31 ألف سنة، وفي غرب روسيا في موقع عمره 15 ألف سنة.

ومعروف ان البشر القدماء كانوا يتجولون في أنحاء البرّية معتمدين على الصيد والجمع. ويعتقد الدكتور واين أن الذئاب بدأت بتتبع جماعات البشر لتقتات على فرائسهم الجريحة، والجثث أو الفضلات الأخرى التي يخلفونها وراءهم.

وعند مرحلة معينة، طورت مجموعة من الذئاب التي تصادف أنها أصغر وأقل خطورة من البقية، طورت نوعاً من التبعية والاعتماد على الجماعات البشرية، التي ربما كانت تستفيد منها بالمقابل باستخدامها كمنظومة تحذير.

وبعد عدة آلاف السنين، في أول مستوطنات بشرية ظهرت في الشرق الأوسط قبل حوالي 15 ألف سنة، بدأ الناس يتدخلون في أنماط تهجين الذئاب الملازمة لمخيماتهم، لتولد بذلك أول نماذج للكلاب.

ومن بين السمات التي ركزوا عليها في أنواعهم المفضلة للتهجين الحجم الصغير، وهو ما يفسر كيف تحول حيوان مفترس ضار كالذئب في نهاية المطاف إلى حيوان أليف مدمج مع المجتمع البشري.

ولقد حدث تدجين الكلاب والاستيطان البشري في الوقت نفسه تقريباً، قبل حوالي 15 ألف سنة، وهو ما يعزز احتمالات صحة النظريات القائلة بأن الكلاب كان لها تأثير كبير على بنية المجتمع البشري.

وربما لعبت الكلاب دور الحراسة،متيحة بذلك للجماعات البشرية التي كانت تعيش على الصيد والجمع ان تستقر في مستوطنات معينة،دون خشية التعرض لهجوم مفاجئ. وربما كانت أيضاً أول مظهر من مظاهر الثروة المتوارثة، سابقة بذلك حتى الماشية.

وربما أرست بذلك أساس الهرمية الاجتماعية، التي ميزت المجتمعات المستوطنة بطبقاتها الاجتماعية المتفاوتة عند جماعات الصيد والجمع، التي كان يتساوى فيها الجميع.

ترجمة:علي محمد