يدخل الزائر إلى معرض «في حب النون» للفنان المغربي حكيم الغزالي في غاليري «غرين آرت» بالجميرا، بتصور مسبق عن عالم فن الحروفيات الذي اعتمد على رسم وخط الحروف العربية بتشكيلات تتراوح بين الكتابة الكلاسيكية ورسم الحروف.

يكتشف زائر هذا المعرض الذي يستمر حتى 22 أبريل المقبل، أن قراءة فنون الحروفيات يتطلب من المشاهد ثقافة بصرية أسوة بأي عمل فني آخر، ففي الجولة الأولى يطالع الزائر.

مجموعة من اللوحات التي إما يتكرر فيها حرف النون من أعلى ركن في اللوحة وحتى نهايته، أو يتخذ جزءاً من زخرفة لبوابة معدنية أو «درابزين» أو سور وغيرها من الأشكال. ويتمثل الانطباع الأول له برؤية عامة لأعمال زخرفية فنية، اعتمد فيه الفنان على أحد الحروف العربية في تشكيل أعماله.

لكن عودة الزائر إلى الأعمال بعد تعرفه إلى تجربة الفنان، تدفعه إلى إعادة النظر والتمعن بكل عمل فني على حدة، لكأنه يراه للمرة الأولى، وليدرك عمق المعنى في الطرح والجماليات الكامنة في تفاصيل التكوين. كيف تم ذلك؟

قال الغزالي «كتبت الحرف ثم رسمته وبعدها أبصرته»، في حديثه عن تجربته الفنية في عالم الحروفيات. وانطلاقاً من تلك المقولة التي تترجم جانباً من مفهوم الثقافة البصرية، يعود الزائر إلى اللوحات من جديد، لتتكشف أمامه عوالم جديدة في كل لوحة.

فلوحة حروف النون المكررة والمطرزة على قماش الخام وقطب الرتق المعترضة في بعض الحروف، لم تعد أشكالاً مجردة. فكل التفاف لحرف النون ونقطته، انحناءة تعكس كل منها وجهاً من أوجه الأمومة واحتضانها الحاني على الرغم من شروخ وجراح الحياة التي اندملت عبر رتق هنا وهناك.

من وحي حب الأمومة، استلهم الغزالي الذي درس الفن في المغرب ثم باريس، حرف النون الذي يمنح كما يراه أبعاداً إنسانية لا حدود لها، فكل حرف من لوحته المشغولة بالأزرار الملونة المرصوصة على بعضها، يأخذ طابعا تشكيلياً مختلفاً عن المجاور له؛ فهنا رأس النون أو الأم، منكفئاً إلى الداخل لحماية الجنين.

وهناك مائل يتكئ على الكتف من حالة الإنهاك والتعب، وهناك متيقظ في حالة تأهب. أما في الأعمال التطبيقية فالنون لها حضور مختلف، حيث تارة تأخذ وجهاً شاعرياً عذباً، عبر زخارف الدرابزين المستوحاة من ثقافة العمارة الأندلسية، وتارة أخرى جزء من بوابة معدنية تقف الحروف المكررة فيها.

والتي صنع كل واحدة منها حِرفيٌ ترك بصمته، متراساً في وجه أي خطر يهدد أمومتها. وعودة مرة أخرى إلى الحالة الحالمة للأمومة التي تعيشها الأم وحدها، عبر جدارية الغزالي المصنوعة من مادة أشبه بالجبس، حيث تعكس جماليات متجددة لا حدود لها من خلال تشكيلات النون الغائرة والبارزة بظلال شفيفة.

تتداخل مساحاتها وتتبدل تبعاً لاتجاه الضوء وزاوية الرؤية. معرض الغزالي «في حب النون»، بمثابة رحلة تأملية تبدأ مما هو مألوف وبديهي في الحياة اليومية، إلى إعادة النظر والتمعن في ما لا نحسب له شأناً، ومن ثم الإبصار والتبصر والانفتاح على آفاق جديدة من الجماليات والمعرفة التي تحيط بنا بانتظار إبصارها

دبي - رشا المالح