من الغريب والجيد في الوقت نفسه أن تقابل طلبة يعترفون بأنهم أهملوا دراستهم سنوات عدة ويلقون باللائمة على أنفسهم معتبرين أنهم المسئولون عن مشكلات الضعف الأكاديمية التي لديهم والتي يعانون منها وهم في المرحلة الثانوية، خاصة أن هذا الضعف ارتبط بالمهارات الأساسية التي من المتوقع بديهيا أن يمتلكها أي طالب عندما يصل لهذه المرحلة.

الطلبة أكدوا أن السبب الأساسي وراء عدم تحملهم للمسئولية يرجع لعدم وجود هدف لديهم فكان الواحد منهم يحدث نفسه قائلا «درسنا وامتحنا ونجحنا وماذا بعد؟»، ويؤكدون أن الإهمال وعدم وجود هدف مستقبلي لديهم جعلهم لا يسعون للدراسة الجادة.

وفي الوقت ذاته أشار البعض في الميدان إلى أن عدم اجتهاد الطالب ووجود الدافعية لديه يؤثر بالتأكيد على مستواه، ولكن مشكلة الضعف في المهارات الأساسية التي يجب أن يمتلكها الطالب هي مشكلة تراكمية ولم تقف عند حد أو مرحلة ما قبل الثانوية بسبب عمليات «التنجيح الإجباري أو الترفيع».

هذا النقاش حول ضعف الأساس الأكاديمي للطالب ومن المسئول عنه أظهره المشروع الذي تطبقه مدرسة ابوظبي الثانوية تحت عنوان « أساس» بهدف علاج مشكلة ضعف المهارات الأساسية لدى طلبة الصف العاشر التي تعود جذورها إلى ضعف تراكمي لم يعالج بالشكل المطلوب.

اكتشاف المشكلة

يتحدث الأخصائي الاجتماعي بثانوية أبوظبي مصطفى عمرة أن الطلبة يترددون على مكتبه في حال وجود مشكلة لديهم وكان يطلب من بعضهم كتابة ملخص حول مشكلته.

وهنا كانت المفاجأة عندما وجد طلبة من الصف العاشر لا يجيدون الكتابة بالعربية وذلك ليس على مستوى رداءة الخط بقدر ما هو ضعف في الكتابة الإملائية الصحيحة بالإضافة إلى عدم إجادة القراءة، وكأن الطالب يكتب ويقرأ حديثا، الأمر الذي دفعه لمناقشة الموضوع مع الإدارة المدرسية والعمل جميعا لإيجاد لحلول للمشكلة.

وأضاف عمرة أنه بعد دراسة الموضوع على مستوى إدارة المدرسة تقرر التنسيق مع معلمي المواد الأساسية من لغتين عربية وانجليزية ورياضيات لرفع أسماء الطلبة الضعاف لديهم ومن ثم تم إعداد اختبار تقييمي يقيس مستواهم في المهارات الأساسية لتلك المواد، وشمل الاختبار (60) طالبا من الصف العاشر من أصل (120)، وأظهرت النتائج صدق التوقعات بحجم الضعف التراكمي الموجود لدى هؤلاء الطلبة.

من هنا بدأت المدرسة تعد خطة عملها فاجتمعت بأولياء أمور الطلبة الضعاف وطرحت المشكلة أمامهم ونتائج الاختبار التجريبي وأن أولادهم بحاجة لعلاج سريع ليتمكنوا من تقوية مهاراتهم الأساسية بما يساعدهم على متابعة دراستهم ضمن المرحلة الثانوية، ورغم ما واجهته المدرسة من معاناة في إقناع ولي الأمر.

إلا أنها أصرت وتابعت جهودها ونفذت المشروع تحت مسمى «أساس» والذي نجح في استقطاب مجموعة من الطلاب الضعاف وتطوير مستوياتهم، وينفذ المشروع في الفترة المسائية على مدار ثلاثة أيام أسبوعيا من خلال معلمين أكفاء للمواد الأساسية الذين أعدوا ملازم خاصة للمشروع تخدم متطلباته، ومع الفصل الثاني بعد ما تجربة الفصل الأول ازداد عدد المقبلين على الفكرة.

تسرب ونوم

وذكر عمر عبد العزيز وكيل المدرسة أن قلة عدد الطلبة الذين التحقوا بالفصل الأول بالمشروع يعود لعدم قناعة ولي الأمر بضعف ابنه بهذا المستوى، وبعضهم فضل توفير معلم خاص بالمنزل بدلاً من الاستجابة لجهود المدرسة.

وأضاف أنهم عملوا على تشجيع الطلبة وتهيئتهم النفسية للفكرة بإقناعهم بضرورة علاجهم لمشكلتهم ليتمكنوا من متابعة دراستهم، وبالفعل العدد الذي التحق بالمشروع استفاد وحقق نتائج واضحة.

وأشار عمر إلى خطورة هذا الضعف ليس في تدني مستوى الطالب فقط بل إنه يؤدي لحدوث التسرب من الحصص ومن التعليم وإثارة المشكلات في الحصة لأنه الطالب لا يفهم الدرس فيبدأ إما بإثارة الشغب وافتعال المشكلات للفت الانتباه إليه أو تكون ردة فعله مسالمة فينام خلال الحصة.

معلم الأسرة

وتحدث وكيل المدرسة عن طريقة تفكير بعض أولياء الأمور من واقع يراه بذاته، بأن بعضهم يفضل إحضار مدرس خاص لابنه والمشكلة أن المعلم الذي يتم الاستعانة به في بعض الأحيان لا يكون من الميدان بل مجرد حامل لشهادة علمية رغم عمله في وظيفة أخرى وتستعين به الأسرة ليكون معلما لمختلف أبنائهم «معلم الأسرة» وهذا له تأثيره السلبي بالتأكيد على مستوى الطالب.

وجانب آخر من أولياء الأمور الذي إذا سمح بمشاركة ابنه في التقوية المدرسية ولم يحقق ابنه النتيجة التي يريدها يراجع المدرسة وهو غاضب ويقول «أنا دفعت في التقوية حتى ينجح ابني»، فهذا التفكير من بعض أولياء الأمور لا يصب في مصلحة الطالب.

تلعثم في القراءة

أشار رأفت العياش معلم اللغة العربية بالمشروع إلى تركيزه في حصص التدريب على مهارات اللغة من قراءة وكتابة وكيفية فهم النص والتواصل معه.

موضحاً أن قدرة الطالب على القراءة تبدأ من المرحلة الابتدائية وتتطور للقراءة الجيدة والواضحة في الإعدادية على أن يصل للمرحلة الثانوية ويمتلك قدرة القراءة العميقة للنص والتواصل معه.

والحقيقة أن درجة ضعف الطلبة كانت كبيرة ومفاجئة لهم وتصل لحد القراءة بتلعثم، ولكن الأمر تغير بعد فترة من العمل معهم وحققوا تقدما ملحوظا بسبب وجود الدافعية وإحساسهم بحاجتهم لرفع مستوياتهم عامة.

اعتراف بالمشكلة

الطلبة الذين دخلوا تجربة المشروع عبروا عن حجم استفادتهم ورغبتهم في المتابعة في المراحل الأخرى للمشروع معتبرين أنهم المسئول الأول عن المشكلة التي كانوا يعانون منها لغياب الهدف المستقبلي، حيث ذكر الطالب محمد تاج الدين (11 أدبي).

أنه التحق بالمشروع في المواد الثلاثة (العربية والانجليزية والرياضيات) وأكثر مادة كان يعاني منها هي الرياضيات ولا يتقبل حصتها ولكنه تحسن اليوم كما تطورت مهاراته في اللغة العربية أيضا وأصبح مستواه من 60 إلى 90 فيها.

الطالب لطفي أحمد المنهالي كان مستواه ضعيفاً وخاصة في الانجليزية والرياضيات وكان أحيانا يدخل دوراً ثانياً في تلك المواد، ولكن اهتمام «أساس» بتطوير مهارته جعله يتفاعل مع تلك المواد بطريقة مختلفة ولم يعد يجلس بملل في الحصة.

كما أصبح بإمكانه فهم الرياضيات والتعامل مع المسائل المختلفة، مشيرا إلى أن حصة الانجليزية كانت من الحصص التي يهرب منها عادة، ولكن الأمور اختلف بتحسن مستواه فيها خاصة في المحادثة.

موضحا أن درجاته تغيرت في الرياضيات من (35 إلى 61) وفي الانجليزية كان يحقق اقل من 30 أصبح يتجاوز الـ 50)، ويرى أن المشكلة كانت في إهماله للدراسة وأنه لم يكن يشعر بدافع نحوها.

أما الطالب مطر سعيد الزعابي فعبر عن سعادته بالمشروع الذي غير حتى من شخصيته، وأن المدرسة تنظر إليه اليوم بصورة مختلفة، فالإدارة أكدت أن مطر من الطلبة الذين يحرصون على حصص المشروع بل ويتابع أيضا زملائه المتغيبين ويشجعهم دائما على عدم هدر هذه الفرصة للارتقاء بأدائهم.

والطالب مطر يتمتع بشخصية قيادية، ويقول أن الانجليزية أكثر مادة كان يعاني منها لكنه اليوم أفضل بكثير من السابق وعرف كيف ينمي مهاراته فيها، مشيرا إلى أنه لم يحاول مسبقا تطوير ذاته في الدراسة ولكن عندما وصل إلى الثانوية بدأ يفكر فيما سيكون عليه في المستقبل مما جعله يدرك أن أي حلم بالمستقبل لن يتحقق دون النجاح في الدراسة ، وقد تحسن أداء مطر حيث حقق في الرياضيات (80) وفي العربية (78) والانجليزية ( 75) .

بينما رأى الطالب عبد الله مرشد سالم أن أسرته كانت مهتمة به والمدرسة كذلك، ولكنه لم يكن يعير اهتمام لقضية الدراسة ويردد دائما أنه سيدرس وينجح وماذا بعد ذلك؟، ولكنه الآن بدا يفكر بشكل مختلف خاصة عندما ينظر لإخوانه ويرى حياتهم فهو يريد أن يلتحق بالجامعة ويدرس المحاسبة.

ولا يمكن لذلك أن يكون دون إكمال دراسته الثانوية بنجاح، هذا التفكير فيما سيكون عليه في المستقبل دفعه للتفاعل مع المشروع المدرسي، وهاهي درجاته اليوم تتخطى الـ 50 وتقارب الـ 80 ولديه أمل للأفضل.

معاناة

أولياء أمور يبدون تعاوناً «ضعيفاً» مع المشروع

أكد محمد الحوسني مدير مدرسة أبوظبي الثانوية على معاناتهم مع بعض أولياء الأمور ذوي التعاون الضعيف مع المدرسة، والدليل أن نسبة كبيرة من الطلبة سجلوا بمشروع «أساس» وأقل من النصف التزم بالحضور، فالمشكلة في قناعة ولي الأمر.

مشيرا إلى حرصهم على إعداد امتحانات قياس قبل بدء المشروع وخلاله لقياس التحسن. وأشار إلى أن هذه المشكلة موجودة في مدارس أخرى بالتأكيد وتظهر سنويا في المجموعة القادمة من الصف التاسع إلى العاشر، لذا فالحلول لابد أن تكون جذرية والاهتمام بتأكيد أساس الطالب من المراحل الأولى.

ولكن بالنسبة لمن يعيشون المشكلة فلابد من دروس مكثفة في الأسس المتعلقة بالمواد الأساسية، ومهم جدا وعي وقناعة ولي الأمر.

مؤكدا حرصهم على أن تكون الحصص المقدمة خلال المشروع غير تقليدية لتتيح للطالب التعامل مع جو مختلف يشجعه على الاستمرارية، وأن ما تحقق مع المجموعة الأولى للمشروع انعكس على زملائهم ممن حرصوا على الالتحاق في الفصل الثاني.

تقدم

«أساس» يحدث نقلة نوعية

يحرص المعلم جوهر حميد في حصص «أساس» للغة الانجليزية على تطوير مهارات التحدث والاستماع والكتابة لدى الطلبة، ويهتم في البداية بمهارة التحدث حيث قدمها كدورة في المحادثة.

لأن التحدث بالانجليزية يشجع الطالب على تجاوز الحاجز بينه وبين اللغة وتكسبه نوعاً من الجرأة والقوة وسهولة في التعامل مع المادة، وبعد التحدث والاستماع بدأ الاهتمام بالكتابة وكان يطالبهم بكتابة قطع صغيرة في البداية.

واعتبر جوهر أن ضعف الطلبة مرتبط بعامل هام وهو طبيعة مناهج كل حلقة التي لا تراعي الفروق بين حلقة دراسية وأخرى بمعنى أن الانتقال من الابتدائي إلى الإعدادي يحدث تطوير في المواد يوصف بأنه نقلة كبيرة.

وهكذا الحال بين الإعدادية والثانوية ليس في الانجليزية فقط بل في مختلف المواد، فهناك فجوة في كم المعلومات التي تقدم للطالب من حلقة لأخرى، وهذه النقلة تمثل ضغطا خاصة على الطالب ذي الإمكانات المتواضعة.

تدريب وتأهيل

محمود الأسطى مدرس الرياضيات أكد تطور نتائج الطلبة بعد الاعتناء بهم من خلال المشروع، مشيراً إلى أن مهارات أساسية كالجمع والطرح والعمليات الجبرية لم يكونوا متمكنين منها وهي ترتبط بمراحل إعدادية وابتدائية.

ولكن بعد تدريبهم لاحظوا حجم التحسن فمنهم من كانت درجاته في الخمسين وأصبحت في السبعين، وطبعا مشكلة هؤلاء الطلبة تكمن في التنجيح الإجباري في المراحل السابقة، موضحا أن الهدف هو إعطاء الطالب أساسيات تقوده لإتقان المهارات المطلوبة منه لخدمة مقررات الثانوية لمساعدته على متابعة المرحلة الحالية.

وبعض الطلبة لم يكن مهتما في البداية ولكن سرعان ما شعر بالفارق وقدرته على الإجابة والتعامل مع المادة في ظل تقدير المعلم مما انعكس ايجابيا عليه، خاصة أن مستوى طلبة المشروع متقارب فلا يخجلون من طرح أسئلتهم.

أبوظبي - لبنى أنور