أخبرني صديقي علاء الذي يعمل في إحدى الشركات الخاصة في دبي، أن بابلو الفراش يتقمص دور مدير الشركة في كثير من الممارسات؛ فبابلو كان أول من يأتي إلى الشركة، وآخر من يغادرها.
وهو الذي يعد شاي الكرك و«البلاك كوفي» للموظفين، وفي المقابل فإنه يتقن أداء دور سكرتير المدير، ويجيد حفظ الملفات واستخراجها سريعاً بحكم الخبرة التي راكمها لنفسه في ذلك المكان، وهو ما جعله يتسامى على دوره التقليدي المحصور في مسمى «فراش».وبحسب ما يوضح علاء، فإن ذلك الفراش البسيط كان يشكل على الدوام مصدر قلق وارتباك وحتى خوف للموظفين على اختلاف مراكزهم، لأنه ببساطة كان يشغل عين المدير في مختلف الأوقات.
فالجميع يعلم أن بابلو يسجل أوقات دوام الموظفين، وساعات خروجهم من العمل، وأكثر من ذلك تراه يرقب أداء الموظفين على مكاتبهم، وتلك المهام غير المباشرة كان يؤديها بابلو بتغطية متفاهم عليها ويلمسها الجميع في عيني المدير، كما يؤكد علاء.تلك حالة سلبية لفراش تناسى مهمته الوظيفية وارتضى لنفسه سلطة يتوق إليها كل البسطاء، لا سيما وأنها تأتي من رأس الهرم في تلك المؤسسة، وذلك الواقع ربما يتكرر في كثير من الأماكن التي يشغل فيها الفراشون أدواراً متراكمة تتجاوز مهمة صنع الشاي أو تصوير الأوراق.
وذلك الواقع على سلبيته أصبح خياراً يركن إليه ضعاف الشخصيات من أجل استكمال واقع إداري وجدوا أنفسهم فيه، كما توضح آراء علماء الاجتماع.***فضول الموظفينفي موازاة ذلك تجد الفراش يختزن في نفسه كماً كبيراً من المعلومات التي تسترعي فضول الموظفين، فهو الأقرب إلى الأوراق السرية دوماً، وتراه يتحرى غياب موظف أو استقالة آخر أو «تفنيش» ثالث؛ بصمته وسكوته المُطعَّم بهالة من الفراسة والفضول، لذلك فالجميع يدرك قيمة ومركز الفراش في أي مؤسسة كانت لأنه وللحقيقة، يظل مكمناً للأسرار والمعلومات التي يرغب في معرفتها الجميع.
في حالات كثيرة يلعب الفراش دوراً سلبياً وبوضوح، وفي حالات أخرى غير قليلة يؤدي هذا الموظف البسيط مهام وظيفية مساندة للجميع لا سيما في الجانب الإداري أو ما يسمى بالسكرتارية.
وتلخص هذا الدور شواهد كثيرة في مؤسسات متعددة المسميات، وفي المجمل يظل الفراش اسماً كبيراً ومهماً في كثير من الأماكن، لا سيما وهو يداعب بين يديه أهم وأكثر الملفات سرية وخصوصية..
لذلك ارتأينا أن نسلط الضوء على شريحة الفراشين والأدوار التي يؤدونها في أماكن عملهم، وهي بالطبع تتجاوز مسمى إعداد الشاي أو تصوير الأوراق أو ما شابه.
الخبرة الطويلة
محمد خالد آل علي شاب إماراتي يرى أن الخبرة وسنوات العمل الطويلة تدفعان الفراش للسيطرة نسبياً في مكان عمله، وبحكم أن الفراش يأتي أولاً ويغادر أخيراً فهو سيبقى العنصر الأهم ومكمن الخطورة في أي مؤسسة.
وفي كثير من الأحيان يصبح الفراش جزءاً لا يتجزأ من المؤسسة التي يعمل بها، وللأسف فإنك تجد بعض المديرين يعمدون إلى معاملة الفراش على أنه نائب أو مسؤول في مكانه.
وهو ما لا يروق للكثير من الموظفين الذين تأخذهم ملامح الريبة والشك في علاقتهم مع المدير، وبالتالي فهم يتأثرون سلباً في أداء مهامهم الوظيفية.
ويتذكر محمد مواقف طريفة تؤكد أهمية دور الفراش في المدرسة مثلاً، فهو حينما كان طالباً في إحدى المدارس الثانوية في دبي كان يجد الطلاب في معاناة دائمة مع الفراشين.
حيث تعمد إدارة المدرسة إلى وضع أحدهم كمراقب في مناطق مختلفة داخل حرم المدرسة، والجميع كان يدرك أن هذا الفراش جاء ليخبر المدير أو المشرف عن أسماء المدخنين أو المخالفين، وهو واقع يتكرر في العديد من المدارس على مستوى الدولة.
مهام سرية
منصور شكري مدير مدرسة دبي للتعليم الثانوي يؤكد أن دور الفراشين في المدرسة يختلف نسبياً عن دورهم في أية مؤسسة أخرى، حيث توكل إليهم مهام تبدو في غاية السرية والخصوصية، مشيراً إلى أن أقدم فراشي المدرسة موجود منذ 25 عاماً أي قبل المدير ومعظم المعلمين، لذلك فهو ملم بصفة كبيرة بمختلف الأمور التشغيلية التي هي من صميم عمل المدرسة.
مهم جداً بنظر شكري أن يتحلى الفراش بقدر كبير من الأمانة والإخلاص والولاء فهو أول من يأتي وآخر من يغادر المكان، ويحمل مفاتيح المدرسة والمخازن وغرف المعلمين وقاعات التدريس.
ولك أن تتخيل أهمية الأوراق التي تحويها تلك الغرف، لا سيما أسئلة الامتحانات ودرجات الطلبة، موضحاً أن أهم ما في الأمر مكافأة الفراشين والإحسان إليهم على نحو يعزز جانب الولاء في المكان الذي يعمل فيه.
وأضاف شكري أن المدرسة تضم نحو عشرة فراشين يقومون بأدوار مختلفة وقد أصبحوا جزءاً مهماً وفعالاً في المكان ويؤدون خدمات بسيطة وأخرى معقدة وحساسة.. واحد منهم يتولى شؤون تنظيف الحمامات وبمجرد وجوده في ذلك المكان فهو يضبط بصورة غير مباشرة سلوك الطلبة هناك، وذلك ساهم بشكل ملموس في الحد من تدخين الطلاب أثناء الفسحة.
دور المدير
فاطمة آل مالك مديرة مركز قرطبة المسائي لتعليم الكبار في دبي، أشارت إلى وجود فراش يدعى تشاندرا وهو يعمل في المركز منذ 25 عاماً في الفترة المسائية وفي الصباح يخدم في منطقة دبي التعليمية سابقاً «هيئة المعرفة حالياً».
لذلك فإن خبرته تبدو مركزة وكبيرة ومتشعبة وتؤهله بنسبة كبيرة ليس لأداء دور السكرتارية في المركز، وإنما لإدارته بصورة ناجحة، لا سيما وأنه وفي حال غيابه يوماً واحداً عن المركز يشعر الجميع وكأن المكان مشلول، فهو أكثر الملمين بخصوصيات المكان وآلية إدارته المتعارف عليها.
الطريف في أمر تشاندرا أنه يعتبر مصدراً مهماً وموثوقاً في رواتب المعلمين ومكافآتهم المنتظرة لأنه يعمل في الهيئة صباحاً، وهو ما يمنحه مزيداً من الثقة والتقدير لدى المعلمين الذين يعملون بنظام المكافأة، ويعيشون دائماً حالة فضول لمعرفة بعض التفاصيل التي تهمهم، وبالتأكيد تشاندرا خير من يشفي فضولهم.
ليسوا جواسيس
وفي الموضوع ذاته يوضح أيوب حبيب رئيس قسم الإعلام والتنسيق الحكومي في وزارة التربية والتعليم، أن الفراشين المتواجدين في ديوان الوزارة يُعاملون بثقة واحترام من قبل الجميع.
فلا أحد يعتبرهم جواسيس أو عيوناً للآخرين، والمكاتب مفتوحة أمامهم من منطلق الأمانة والإخلاص الوظيفي، لافتاً إلى أنه من المحتمل أن يحتضن الفراش أسراراً مهنية ذات قيمة كبيرة، ولكن ليس بالضرورة أن يعي قيمة تلك الأسرار غالباً.
ولفت حبيب إلى أنه يلمس في بعض الأوقات إلمام الفراشين بمعلومات وأخبار قبل غيرهم من الموظفين، وذلك مرده إلى أنهم يتبادلون تلك المعلومات فيما بينهم بمجرد أن تطرق مسامع أحدهم.
فتراهم يتحدثون عن استقالة موظف أو تعيين آخر، مؤكداً أن معايشة الفراش لآلية العمل اليومي تدفعه لمعرفة مزيد من الأسرار التي ربما يتفوه بها مدير أو موظف عادي دون قصد، وفي كل مكان تجد أشخاصاً فضوليين، يبحثون عن المعلومة لحاجة لها أو دون ذلك، ويبقى الفراش خير مخبر في كثير من المرات.
فراشون يكسبون بإخلاصهم احترام المدير والموظفين
على الرغم من الانطباعات السلبية عن تصرفات بعض الفراشين في المؤسسات والدوائر الحكومية والمدارس إلا أن هناك الكثير من النماذج الإيجابية التي تخلص بعملها وتستحق الاحترام من جميع الموظفين نظراً لما تقدمه من مبادرات لافتة فوق المطلوب في عملها. وبحسب ما جاء في روايات عدد من المسؤولين في قطاعات مختلفة.
فإن الفراشين لديهميتشاركون في حمل هموم المؤسسة والسعي الدؤوب نحو إنجاح آلية العمل فيها، فعلى سبيل المثال تجد الفراش يؤدي مهام عمله المحصورة في تقديم الخدمات الخفيفة والتقليدية في المؤسسة.
لكنه لا يتوانى لحظة في دعم عمل موظفين آخرين، لا سيما في المساعدة على ترتيب أمور معينة، أو إبداء اقتراحات ما لاستكمال العمل بالطريقة المثلى، وذلك دون أن يتدخلوا في خصوصيات عمل الموظفين الآخرين، وأحياناً تجد الفراش يتأخر لساعات طويلة بعد انتهاء دوامه لاستكمال وإنجاز عمل ما.
وهو في الغالب ما يلقى احتراماً وتقديراً من المديرين أو المسؤولين، الذين في المقابل لا يبخلون على ذلك الشخص في منحه إكراميات أو مساعدات مالية أو هدايا أخرى تكريماً لجهوده الملموسة والإيجابية في المؤسسة.
د. نبيل سليمان: الفراش عين المدير الفاشل
الدكتور نبيل سليمان رئيس قسم طب الأسرة والمجتمع والعلوم السلوكية بجامعة الشارقة، يرى أن الفراش في أي مؤسسة يظل الموظف الأبسط، وهو مرؤوس يتبع الرئيس دائماً، فالمدير أو المسؤول غير الناجح أو السوي من الممكن أن يعهد إلى موظفين بسطاء مهام كبيرة تجعلهم يتعالون على أدوارهم في المؤسسة.
كأن يصبح الفراش عيناً للمدير، وذلك التصرف يدفع الموظفين إلى القلق والتوتر وبالتالي الإهمال واللامبالاة.
المكان دائماً يتبع الشخص كما يحدد سليمان، فالمدير المرتبك والحريص على كرسيه يحاول قدر الإمكان البحث عن طرق ووسائل تبقيه عليه، وقد يلجأ إلى وسائل غير شفافة أو شرعية.
كأن يعهد إلى الفراش دور الرقيب على الموظفين، وهو بذلك يحصن نفسه بطريقة خاطئة بالمطلق، مشيراً إلى أن أفضل الوسائل والطرق لمعالجة الواقع تكمن في المصارحة والشفافية والاستناد على التغذية الراجعة، وليس عن طريق بث الفرقة بين الموظفين.
ويؤكد الدكتور نبيل سليمان أن المؤسسات التي تهتم بالنوعية وبالنجاح المنطقي، لا بد أن ترفض تدخل الآخرين في شؤون الغير، وهنا لا بد أن يعرف الفراش كما أي موظف حدود عمله وأدائه الوظيفي.
فالفراش وجد لأداء دور محدد لا بد أن يؤديه وحسب، ومن غير المعقول أن يلعب أدواراً أخرى تلقي بالأعباء السلبية على واقع العمل، لا سيما في المؤسسات الكبيرة، وفي النهاية تظل مقولة «لا تتدخل فيما لا يعنيك» الفيصل والرهان على أهمية الالتزام بالحدود الوظيفية والمهنية في أي مكان، وذلك بالتأكيد يتبع آلية الإدارة التي ينتهجها كل مسؤول.
زواج ومبادرة
توضح فاطمة آل مالك أن العاملين والعاملات في مركز قرطبة المسائي يتواصلون مع الفراش تشاندرا بصفة دائمة، وحتى زواج أبنائه في الهند يتم وسط فرحة ومباركة الجميع، وكثيرة هي المواقف التي تذكر لهذا الفراش، فصبيحة أحد الأيام فوجئنا بالمكان وقد اكتسى حلة جميلة من الزينة بألوان العلم الإماراتي والإكسسوارات المعبرة.
فدارت التساؤلات حول الفاعل، وتبين أن تشاندرا جاء يوم الإجازة الرسمية وقد اشترى تلك الأدوات ليزين بها المركز بمناسبة العيد الوطني الإماراتي دون أن يطلب أحد منه ذلك، وهو ما ترك الكثير من الإعجاب والتقدير على وجوه العاملين.
مفاتيح المدرسة
يؤكد منصور شكري مدير مدرسة دبي الثانوية أن الفراشين في المدرسة، تسند إليهم مهام نظافة وترتيب ومعاينة الفصول وغرف المعلمين والإدارة، وهم يحتفظون بمفاتيح المدرسة، وبالتالي فإن موقعهم خطير إذا ما حَسُنَتْ إدارته.
حيث توجد أوراق سرية ومهمة منها أسئلة امتحانات ونتائج ودرجات للطلبة، وأجهزة حاسوب وبرامج تعليمية ووسائل أخرى كثيرة، وكل تلك الأدوات تظل في عهدة الحارس والفراش، مشيراً إلى أنه يأتي بين فترة وأخرى في ساعات الليل بهدف الاطمئنان وإشعار الفراشين أو الحراس بوجود رأس الهرم، وذلك يضفي مزيداً من الثقة والمسؤولية على أجواء العمل بشكل عام.
دبي ـ عنان كتانة



