حينما تتحول الوحدة الى وحش وتصبح دقات الساعة مخالب تنهش الجسد العاطل عن الحركة، المتجمد في صيرورة الزمان، يضيق الفضاء بهذا الانسان الذي يصارع تأثيرات الغياب، في العزلة والوحدة، والغربة القاسية في وسط الاخرين لا توجد سوى الذكريات التي تحول مخزونها الى ملامح شبحية.. فاسترجاع الذكرى يصبح كالانفاس الاخيرة في ساعة احتضار.
هكذا تبدو حياة «بن صويلح» في مسرحية «سكراب» التي قدمها الثنائي المخرج محمد سعيد والمؤلف الممثل عبدالله صالح في الليلة الخامسة لمهرجان ايام الشارقة المسرحية وفي اطار المسابقة الرسمية للمهرجان، والعرض من انتاج فرقة مسرح دبي الشعبي، وبمشاركة كل من الممثلين: صوغة، سعيدعبدالعزيز، حمد الحمادي، ريم وابراهيم الاميري..
عرض «سكراب»، يتناول حياة رجل متقاعد وجد نفسه في نهاية مطاف حياة مليئة بالكفاح والعمل والعصامية ومنجزات تبدو له عظيمة، وحيدا تنهشه الهلوسات، تائها بين «تكات» عقارب الساعة، وحيدا عاطلا عن الحياة. يشعر انه احيل الى العدم عنوة، وانه لا زال قادرا على العطاء، وان حكم التقاعد بمثابة حكم بالاعدام..
يشعر بالغبن لأنه لم يرث من ذلك العطاء الذي امتص حياته وحيويته، الا امراضا في الصدر وديونا، وزوجة حبيبة ورفيقة درب، دفعها قربانا لاخلاصه في العمل، حينما لم يجد الوقت للعناية بها وهي تصارع المرض، وابناء عصفت بهم رياح التغيير واصبحوا استهلاكيين، فقدوا نبض النبل والوفاء واصبحوا انانيين.
يذهب نص «سكراب» الى عزلة «المتقاعد» لينبش في الازمة النفسية التي تصيب هذه الشريحة، خصوصا اولئك الذين يشعرون انهم ما زالوا قادرين على العطاء.. المخرج محمد سعيد في تعامله مع نص «سكراب» ذهب الى استدعاء ذكريات «بن صالح» عبر مشاهد مجسدة تحضر فيها الزوجة والابناء والصديق .
ومدير المؤسسة الذي وقع قرار تقاعده، وبين الخيال ومخالب الوهم والواقع المرير في غرفة تتكدس فيها الذكريات يصارع بن صالح هذه الحالات حتى يصل الى حالة الانهيار.. عالج المخرج فضاء فرجته المسرحية بالاتكاء على عاملي الديكوروالاكسسوارات والاضاءة التي تحولت الى داهليز وبقع تستمر في الانتقال وتقطيع مشهد الفرجة، في ايحاء للاعتمالات التي تعتصر صدر هذا الرجل المنفي في عزلته. فالغرفة التي تتكون من دولاب وسرير ومولد كهرباء «خردة» ومشجب للملابس العمل، بقاء الذكريات، سوف تضيق في كل مرة وستتحرك قطع الديكور وتبدل مواضعها، وكانها دورة افلاك تحاصر النفس المهزومة..
نجحت الاضاءة التي صممها محمد جمال في الاحالة الى تلك الدهاليز النفسية الموحشة، لكن سرعة انتقالاتها وحركتها وجملها المتعددة التي لم تتوقف طيلة وقت العرض «اكثر من نصف ساعة»، الى خلق حالة من الارباك وقطع التواصل بين الخشبة وصالة التلقي، حيث استمرت الاضاءة الى حركتها دون انقطاع، الا في لحظات..
ولأن هناك اعتمادا على تحريك مفردات الغرفة، «الديكورات والاكسوار» تقاطعت حركتها مع حركة الاضاءة المستمرة، فصار التحريك وكأنه عامل يبدو مربكا لفرجة تتأمل حياة هذا الرجل الذي يصارع عزلته.. لكن هذا لا يعني على صعيد النقد، اجحافا في حق فكرتي الاضاءة وتحريك مفردات الغرفة، بل ان ماذهب اليه المخرج ومهندس الاضاءة يبدو صحيحا في الفكرة، لكنه ايضا يبدو مغاليا في الاستخدام.
اما على صعيد الاداء والتمثيل، فان الفنان القدير عبدالله صالح وما يمتلكه من خبرة طويلة في الوقوف على خشبة المسرح، فقد كان قادرا ان يملأ الدقائق التي يكون فيها منفردا، واستطاع ان يؤسس علاقة بينه وبين شخصية بن صويلح التي يؤديها وان يعبر بمشاعرها واحاسيسها وحركتها الى مخيلة الجمهور، الذي تفاعل مع شخصية بن صويلح في لحظاتها المفرحة ولحظاتها المأساوية..
الممثل سعيد عبدالعزيز الذي ادى دور زميل العمل هو الاخر وبالرغم من الظهور القصير في المسرحية، الا انه ترك بصمة جميلة في الاداء، وكذلك الفنانة صوغه التي ادت دور الزوجة والممثل الشاب عبدالله الاستادي الذي قام بدور مدير المؤسسة، وحمد الحمادي وريم اللذان جسدا الابناء..
الشارقة - مرعي الحليان
