الشاذلي بن جديد عسكري ورجل دولة، رئيس الجزائر من 1979 إلى1992 وثالث رئيس للجمهورية. وبحكم خلفيته البرجوازية وقربه من الغرب قررّ وبدعم من اللاعبين الجدد تدشين بداية الطلاق بين الجزائر وإيديولوجيتها السابقة.

لقد خاض مند تعيينه معركة الانفتاح على الغرب، لكنّ ذلك ما كان ليتمّ من دون إعادة ترتيب البيت السياسي والقضاء على امتداد حقبة بومدين في المؤسسة العسكرية ودوائر القرار، ولذلك وجد رجالات هواري بومدين أنفسهم على الهامش وأحيلوا إلى التقاعد قبل حلول السنّ القانونية. بينهم الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة. لقد ألقى بن جديد أيضا مشاريع بومدين الكبيرة جانبا، فأرجع الأراضي المؤممة إلى أصحابها، وأرخى العنان للقطاع الخاص، وبدل مشروع التصنيع باستيراد حاجيات الجزائر من عواصم الغرب. فمشروع الثورة الزراعية تبددّ، ومشروع التصنيع دخل في طريق مسدود وأصبح أصحاب الثقافة الفرانكفونية في مواقع القرار الذين ألغوا مشروع التعريب نهائيا. وعندما كان الشاذلي يعمل على إنهاء الوجود البومديني، كانت الحركة الإسلامية الجزائرية تتأهبّ للخروج من الكواليس وتقدم عروضها على خشبة المسرح العام، وكان ذلك تزامنا بين بداية اختفاء تيار وبداية بروز آخر.

وميلادا لـ «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» غداة الاستفتاء على دستور فبراير 1989، الذي رسم خارطة التعددية الحزبية وإجراء انتخابات تشريعية أرست فوزه بالرئاسة، لكن الجيش تدخل فألغى المسار الانتخابي.

وليعلن بن جديد استقالته في فبراير 1992، مدفوعا من طرف ضباط نافذين في الجيش. يمكن اعتبار عشرية حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، زمن قطف ثمار النفوذ الغربي في الجزائر.

حيث بدت للعيان مؤامرات العشرين سنة التي مضت على استقلال البلاد، إبان حكم بومدين وراء ستار بن بلة. وللإنصاف يمكن اعتبار رئاسة الشاذلي بن جديد فترة انتقالية مقيدة بظروف اقتصادية وسياسية لعبت حقبة بومدين دورا معتبرا في بلورتها. ومند استقالته والرئيس الأسبق منزوٍ بإقامته في وهران (غرب الجزائر).

ونادراً ما يظهر في لقاءات يحضرها عدد كبير من الأشخاص، لكن صمته جلب له العديد من الانتقادات من السلطة والمعارضة، لكنه رد في نهاية السنة الماضية على منتقديه حيث قال:

«منذ أن غادرت السلطة فرضت على نفسي التحفظ. لقد تعرضت للشتم والقذف وسردوا عنِّي قصصاً كاذبة، ولم أرد لأنني أؤمن ببعض القيم. إنني ألاحظ اليوم احتكارا خطيرا للتاريخ والثورة وشرعيتها. إنني أدعو المؤرخين الحقيقيين إلى إظهار الحقيقة بكل حياد خدمة لمستقبل الجزائر وأجيالها».

ورد أيضا على الذين يقولون انه سعى منذ توليه الرئاسة إلى شن حرب على عهد بومدين، مؤكدا انه «من باب الصداقة واحترامي لبومدين لم أكن اسمح لنفسي بسبه أو انتقاده، رغم الإرث الثقيل الذي خلفه سياسيا»، والجديد ان بن جديد قد انتهى منذ 14 شهرا، من كتابة مذكراته عن تلك المرحلة الساخنة، لكنها لم تنشر حتى الآن.

ليلى بن هدنة