لم تكن زيارتي لدبي مول هي الأولى من نوعها، واعترف أنني في كل مرة كنت أحاول حفظ أماكن المحلات أفشل بذلك لضخامة حجم المول، الذي يضم 1200 محل تجاري وعدداً كبيراً من المرافق الأخرى، ولذلك كان علي في كل مرة اللجوء لأحد مكاتب خدمة العملاء الموزعة في أرجاء المول لأتمكن من الوصول إلى حيث أقصد.
ومثلي يوجد العشرات من زوار المول الذين أصبحوا يعتمدون على هذه المكاتب التي يعمل بها نحو 100 موظف ينتمون الى 20 جنسية.ولا أنكر أنني سألت نفسي مرارا كيف تمكن هؤلاء الموظفون من حفظ كل شبر في هذه القرية المتعددة الطوابق والمتشعبة في أزقتها وممراتها، والمليئة بالمحلات التي تغير جلدها يوميا، ليتحول معها هؤلاء الموظفون الذين يتوحدون في زي بلون خمري إلى أشبه بشرطة المرور الذين يوجهون حركة السير في الشوارع دون التسبب بحادث واحد. لقد كان هذا السبب كافيا لأطرق باب إدارة المول للاستفسار عن طرق تدريب الموظفين لديهم.
طريق طويللم يكن الوصول لمكاتب الإدارة سهلاً، فقد كان علي قطع مسافة طويلة من منطقة غاليري لافاييت إلى منطقة سوبر ماركت ويتروس، حيث تقع هذه المكاتب، وكان علي المرور بعديد المحلات والمرافق الخدماتية والبنوك ومحلات الصرافة، وعشرات الأكشاك، ومعها شعرت بأنني أسلك أزقة صغيرة ومتفرعة، ولم يعفني ذلك من سؤال أحد موظفي خدمة العملاء عن مكاتب الإدارة التي بدت منزوية في إحدى الأزقة.ومع وصولي لآخر الرواق كانت الواجهة قد تحولت من الاسمنت للزجاج، وقد شهد المكان حركة دؤوبة فما تكاد الأبواب تودع شخصا حتى تفتح ثانية لاستقبال آخرين.
حينها وجدت نفسي في ردهة واسعة مليئة بالمقاعد الجلدية، لم تدم جلستي طويلا حتى أطل علي ياسر عزقول، مدير خدمة العملاء مرحبا بي، لأنتقل معه إلى إحدى غرف الاجتماعات الزجاجية وقد بدت جميعها تعج بالأصوات.
كان علينا البدء في الحديث مباشرة تداركا للوقت، حيث بدأ ياسر حديثه حول الشروط التي يجب توفرها في موظف خدمة العملاء بالمول، حيث قال: «ندرك تماما أهمية ودور موظف خدمة العملاء في المول، ولذلك نتبع معايير دقيقة لاختيارهم مثل أن يكون لديه خبرة في خدمة العملاء على الأقل لعامين،.
ونفضل أن تكون في مراكز التسوق، بحيث يكون لديه قدرة على التعامل مع زوار المول، كما نهتم أيضا بشخصية الموظف وطريقة وقفته وترحيبه بالعملاء وطريقة ارتدائه للزي الموحد، وذلك لإيماننا بأن الموظف يمثل صورة المول التي يجب أن تبدو جميلة في عيون زوار المول.
ويضيف: «في خدمة العملاء نهتم كثيرا بسرعة بديهة الموظف ومدى صبره، وقدرته على التعامل مع العملاء وشكاويهم وإيجاد حلول لها بأسرع وقت ممكن دون أن تخرج من نطاق المكتب الذي يعمل فيه».
دورات تدريبية
وأوضح ياسر بأن الموظف يتلقى فور تعيينه دورة تعريفية لأسبوعين وقد تزيد، كما يتلقى أيضا محاضرات نظرية لتهيئته ذهنيا، ومن ثم يتم إنزاله للمول لتعريفه بمداخله ومخارجه.
وأماكن المصاعد والدرج المتحرك ونقاط الخدمة التي يصل عددها إلى 18 نقطة، وبعد استلام الموظف للعمل لا يتم تثبيته في نقطة واحدة إنما ينتقل يوميا بين نقاط خدمة العملاء وهذا يساعده على تجديد ذاكرته بشكل مستمر، وتعطيه الخبرة لمعرفة اتجاهات المول.
وأشار ياسر إلى انه خلال أول ثلاثة شهور من بدء عمل الموظف يتم إخضاعه لاختبارين رئيسيين شهريا، كما يتم إخضاع الموظفين جميعهم لاختبارات سريعة أسبوعيا، وتعقد لهم مجموعات نقاش، تدور في مجملها حول المحلات والماركات التي تقدمها، خاصة وان بعضها يقوم بتغيير ماركاته بصورة دورية ومستمرة، كما يفرض على الموظف ان يتجول في المول بشكل مستمر، بهدف مساعدته على تجديد ذاكرته وتخزين أماكن المحلات فيها، والتعرف على جديد هذه المحلات.
وحول كيفية التعامل مع شكاوى الجمهور التي يتلقاها الموظفون قال ياسر: «نحن نضع في اعتباراتنا إمكانية وصول شكاوي من الجمهور، ولذلك نعمل على تدريب موظفينا لحل هذه المشكلات بأسرع وقت ممكن وتوجيهها إلى القنوات الخاصة بها».
الدفعة الأولى
لم يكن لموضوعنا أن ينتهي دون لقاء عدد من موظفي خدمة العملاء في المول، وللوصول إليهم كان علينا قطع مسافات طويلة في أروقة المول، والبداية كانت مع المواطن عمر منصور الذي كان من أوائل الذين عملوا في خدمة العملاء في دبي مول.
حيث قال: «أعمل في هذه الوظيفة منذ عامين تقريبا، وقد اخترتها لأنها تمكنني من مساعدة الناس والتعامل مع جنسيات مختلفة، ولأنها تمكنني من العمل في مكان يتوفر فيه كل شيء أحتاجه»، ويوضح لنا عمر بأنه تكيف مع الوظيفة بسهولة.
حيث قال: «تكيفت معها بسهولة لأنني كنت ضمن الدفعة الأولى التي عملت في المول، وبالتالي كان لدينا خلفية عن المحلات التي سيتم افتتاحها فيه، ومع الوقت أصبح لدينا خبرة في المول وأماكن تواجد المحلات فيه، وعدم ثباتنا في مكان واحد ساعدني في التعرف على اتجاهات المول ومحتوياته.
وبلا شك أن الدورات التثقيفية والتدريبية والاختبارات التي تقوم بها إدارة المول باستمرار تساعدني على تجديد معلوماتي ومعرفتي بجديد المول، ومن خلال خبرتنا أصبحنا نعرف تماما ما الذي يبحث عنه زوار المول، وأكثر الأشياء التي يسألون عنها هي أماكن الترفيه ودبي فاونتن والاكواريوم».
التونسي رضا الملاح، موظف آخر يعمل في خدمة العملاء بدبي مول منذ أربعة شهور، وللوصول إليه كان علينا الانتقال لنقطة أخرى بعيدة عن الأولى، يقول رضا عن سبب اختياره لها: «لأنني أحبها، فهي ممتعة واجتماعية وتساعدنا على إقامة العلاقات مع الآخرين والتعرف على وجوه جديدة، وقد ساعدتني شهادتي في اللغات في التكيف معها نظرا لاختلاف جنسيات زوار المول الذي تحول إلى قرية عالمية صغيرة».
قبل عمله في دبي مول كان رضا الذي يمتلك أربع لغات هي العربية والانجليزية والفرنسية والألمانية قد قضى ثلاث سنوات في خدمة العملاء، وهو يرى بأنه من الصعب إرضاء الجميع، ولكن يجب على موظف خدمة العملاء الوصول لأقصى درجة ممكنة لإرضاء العميل.
وقال رضا: «المول يحتوي على 1200 محل تجاري، والعديد من أماكن الترفيه والوجهات السياحية، وبلا شك فإن حفظها أمر ليس بالهين، وقد تمكنت من ذلك بسبب عدم ثباتي في مكان واحد، وكذلك الدورات التدريبية التي خضتها قبل استلام العمل في الموقع».
ابتسامة عريضة
وبمجرد رؤيتنا لاحت الابتسامة على وجه المواطن سعيد خميس الشحي، الذي يعمل في المول منذ تسعة أشهر، ولم تتمكن جدية الموقف من إخفاء ابتسامة الشحي الذي قال لنا: «أحببت هذه المهنة لأنها خدمية تمكنني من مساعدة الناس.
بالإضافة إلى أنها تتم في أجواء مفتوحة وبالتالي فهي تخرجني من أجواء المكاتب المغلقة والمضغوطة طوال الوقت، وأفضل ما فيها إنها تعتمد على سرعة البديهة بالإضافة إلى أنها تكاد تخلو من الضغوط الكبيرة والمسؤوليات كما في الوظائف الأخرى».
خلال أقل من شهرين تمكن سعيد الشحي من حفظ كل شبر في المول، رغم ذلك فهو يؤمن بأن إرضاء الناس أمر يصعب تحقيقه، وحول ذلك قال: «عدم ثباتنا مكنني من حفظ المول واتجاهاته وتقسيماته الرئيسية، وقد ساعدنا في ذلك أيضاً الاختبارات ومجموعات النقاش التي تعقدها الإدارة بين المجموعات بشكل مستمر، وكذلك الدورات التي تعلمنا كيفية التعامل مع الجمهور والشكاوى التي نتلقاها منهم، وكيفية التصرف في مثل هذه الحالات».
والطريف في الموضوع أن سعيد الذي يتحدث العربية والانجليزية بطلاقة أصبح مضطرا لتعلم لغات أخرى، حيث قال: «أحاول حاليا تعلم الاتجاهات بلغات أخرى مثل الإيرانية والألمانية وكذلك الصينية التي لا نعرف أحيانا نطق الكلمات فيها، وبلا شك أن معرفة هذه الأساسيات تسهل علينا التعامل مع زوار المول».
كلمة سر
ودعنا سعيد بابتسامة كبيرة داعيا لنا بالسلامة، ولننتقل منه إلى نقطة أخرى قريبة من إحدى مخارج المول، حيث التقينا هناك الأردني عماد قاسم والذي اجتهد في وضع كلمة السر الخاصة به للخروج من مكتبه للسلام علينا وملاقاتنا في الساحة القريبة من مكتبه. يقول عماد الذي يعمل في دبي مول منذ خمسة أشهر، وقبلها كان يعمل موظفا في احد مراكز الاتصال التي تعتبر أحد أنواع خدمة العملاء الأخرى:
«رغم أنني أعمل في خدمة العملاء منذ مدة طويلة إلا أن هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها مع العملاء بصورة مباشرة «وجها لوجه»، وهو ما شجعني على القبول بها لأنها تمنحني الفرصة لمقابلة أشخاص من مختلف جنسيات العالم».
ويضيف: «بلا شك أن العمل في مراكز الاتصال أسهل بكثير من العمل في خدمة العملاء بالمول وذلك لأن الثانية تفرض علينا كموظفين إظهار المول بصورة جميلة في عيون الزوار، ورغم ذلك يبقى العمل فيها ممتعا لأنها تتم في أجواء مفتوحة وأماكن مختلفة».
ويشير عماد والذي يحاول حاليا تعلم الروسية والفلبينية إلى أنه تمكن من حفظ المول من خلال الدورات التدريبية التي تلقاها في بداية عمله، بالإضافة إلى الاختبارات ومجموعات النقاش التي تعقدها الإدارة بشكل أسبوعي، فضلا على ذلك عدم ثباته في مكان واحد. ومع عماد كانت جولتنا قد شارفت على الانتهاء.
وكان علي العودة إلى منطقة غاليري لافاييت، حيث كانت تقف سيارتي، ورغم التعب الذي اعتراني إلا أنها كانت من أجمل جولاتي في أكبر مول في الشرق الأوسط.
مواقف طريفة مع العملاء
تواجه موظفي خدمة العملاء أثناء عملهم الكثير من المواقف الطريفة، وخلال جولتنا حاولنا استشفاف بعض هذه المواقف من خلال الموظفين الذين قابلناهم خلال عملهم في دبي مول ولعل أكثر المواقف الطريفة التي واجهت عمر منصور، هي انه اضطر إلى الخروج من المول مع احد الزوار الذي أضاع سيارته في المواقف.
والتوجه فيه إلى شارع الشيخ زايد والعودة مرة أخرى إلى المول، ليمكن الزائر من تذكر المدخل الذي وصل منه إلى المول، وفي موقف آخر قال لنا رضا إن الكثير من الزوار يطلقون على الاكواريوم (حوض السمك)، سوق السمك أو فيش ماركت، أما سعيد فقد قال لنا إن هناك من يقول لهم «ماونتن» ويقصدون بها «دبي فاونتن»، في حين قال لنا عماد أن احد الزوار جاء ليسأله عن الفاونتن وقال له «ووتر ميلون» أي البطيخ، ومعها ظن بأن الزائر يقصد محل «ووتر ليمون» وحاول أن يشرح له، ليبدأ الزائر بتحريك يديه لإيصال الفكرة لعماد.
دبي - غسان خروب


