في الوقت الذي يعيش فيه جمهور المغني البريطاني الاسطوري التون جون، في الامارات، على أقراص المهدئات التي من شأنها تسكين أرقهم بسبب الحماسة الشديدة المتولدة عن انتظار قدومه، وفي الوقت الذي تنفق فيه شركة الهواتف النقالة «نوكيا» المزيد من الأموال على حملاتها الاعلانية في شوارع دبي وأبوظبي التي تروّج لمفهوم جديد من تنزيل وتخزين الأغاني الرقمية على هواتفها النقالة الجديدة.

وفي الوقت الذي تتنافس فيه شركات تنظيم الفعاليات الفنية، المتمركزة في مكاتب «مدينة دبي للإعلام»، يدور النقاش في الغرب، حول الاقتراب من انقراض «الاسطوانية الموسيقية» بالشكل الذي نعرفه اليوم، وتحول أجهزة ال«آي فون» التقليدية الى أدوات من زمن الحنين، فيما ستقبع شرائط الموسيقى ذات الأشرطة الممغنطة، في أقبية مستودعات الآباء والأمهات.تلك التوقعات، التي يحدد خبراء التكنولوجيا، حدوثها بحلول العام 2020، تدعمها الثورات التقنية المتسارعة. يقول بيل غيتس إن المتنبئين غالبا ما يعيرون أهمية كبيرة لمقدار التغير التقني الذي يحصل في عام واحد، ولكنهم يعيرون أهمية أقل للتغيرات التي تحصل خلال عقد كامل. لكن العقد، الذي بدأ بشيوع لامتناه لاستخدام ال«فيس بوك» وزيادة شعبية ال«يو تيوب»، يتحضر ايضا لأن يحمل في خاتمته عنوان «عصر ثورة تكنولوجيا الموسيقى».

اندثار الأشرطة

يتوقع الخبراء أن يندثر فعلا الألبوم الغنائي، إذ إن مجموعات التسجيلات الصوتية الطويلة، التي هي في الواقع تمثل توجها هو وليد الاقتصاد، أكثر منه وليدا من الفن، ستختفي، فهذه التسجيلات، لطالما كانت الأسلوب المناسب للشركات لضم مجموعة من الأغاني في رزمة واحدة لبيع حتى تلك التي لا تتمتع منها بشعبية واسعة.

ولكن، ومع الملفات الرقمية التي شرعت تأخذ محل التسجيلات العادية، فلا يوجد سبب اقتصادي لألبوم الأغاني لكي يبقى ويستمر. ففي العام 2020 سيشكل مبدأ الألبوم مفارقة تاريخية مع بقاء القليل منها في أيدي هواتها، تماما مثل الاسطوانات المدورة القديمة، التي تعمل على آلة «الفونوغراف»، والتي انقرضت اليوم.

يقول جون مالتون، من مجموعة «ايه أم جي»، في دبي، إن التكنولوجيا الرقمية سوف تلغي من الوجود تلك الأشرطة الممغنطة، التي تتمدد تحت أشعة الشمس، وتتحول الموسيقى فيها الى ما يشبه العلكة، لو تركت الشريط في سيارتك. ويضحك قائلا: سوف تحال هذه الاشرطة إلى رفوف الذكريات، كما تحال اليوم الكاميرا التي تعمل بالأفلام التي يتم تظهيرها في المختبر.

ويضيف مالتون أن التطور سوف يجعل الجمهور أيضا مهتما بالبث الحي للأغنية بدلا من التنزيل على الأجهزة: «من أين اقتبسنا الفكرة أن الموسيقى الرقمية ينبغي تنزيلها؟ لقد بدأ هذا الأمر مع أقراص (سي دي) وشبكات التعامل بالملفات، مثل (نابستير) وغيرها، التي يجرى تنزيل التسجيلات منها ونقلها إلى أي جهاز آخر.

ولكن هناك أسلوبا أسهل. فإذا كنت مالكا لجهاز يستطيع التواصل مع الإنترنت من أي موقع ومكان، ألا يكون البث الحي أفضل لك من شراء قرصين (سي دي) جديدين كل شهر؟ يقول البعض إنهم راغبون في امتلاك الموسيقى. ولكن أليست هي مادة رقمية تحتل جزءا من القرص الصلب؟ فلماذا كل هذا الإزعاج، إذ يمكن الاستماع إليها عن طريق البث الحي عبر الإنترنت؟».

لكن المشكلة أن مثل هذه الخدمات لا توفر لك كل الأغنيات المسجلة، كما أنها لا تعمل على جميع الأجهزة. يرد مالتون:«هذه المشكلة نابعة من صلب عمل الشركات، وليس لكونها مشكلة فنية، أو تقنية. وهذا الأمر يجرى حله حاليا تدريجيا»، مستشهدا بشيوع بث الانترنت ذي النطاق العريض في الدولة.

الموسيقى الشخصية

التطور الآخر سيتحدد بالسبل الجديدة لتخزين الموسيقى المفضلة لدى المستخدم، او ما يعرف باسم الموسيقى الشخصية. إذ إنهم لن يعودوا مضطرين لتخزين هذه الأغاني حصرا على أجهزة الكومبيوتر، لكي يعاودوا الاستماع اليها في الوقت الذي يرغبون فيه، لكنهم سيخزنونها على «السحاب» (فضاء الانترنت العالمي) وليس على القرص الصلب.

هذا يعني تخزين الأغاني الشخصية على أجهزة «السيرفر» العالمية التي توفرها الشركات، وبالتالي يكون من السهل استحضارها في أي وقت وأي مكان يتوافر فيه الاتصال مع الانترنت. الأمر اشبه بصندوق بريد محجوز لك في الفضاء، في داخله اسطواناتك الموسيقية المفضلة. وهذا ما جعل «آي تيونز» تقدم مثل هذه الخدمات ليس عند الطلب فحسب، بل كخزانة حافظة للأغاني التي جرى تنزيلها سابقا أيضا.

يقول أنس محسن، مهندس شبكات في دبي، حالما تصبح موسيقانا محفوظة بالسحاب، فلا نعود نبالي بامتلاء أقراصنا المحلية الصلبة. ف«مايكروسوفت سكاي درايف» مثلا تقدم ما سعته 250 غيغابايت للتخزين على الشبكة مجانا، وبالإمكان بسهولة التيقن أن مثل هذه السعة ستزداد وتتضاعف مئة مرة في حلول العام 2020 لكي تصل إلى عدة تيترابايت (التيترا = ألف غيغا) من السعة المجانية.

وقد يستغرق التعامل مع مثل هذه السعة وقتا أطول، ولكن النطاق العريض، وحتى النطاق اللاسلكي العريض، سيزداد إلى حد بحيث يمكن الحصول على بث للملفات الرقمية بوضوح تام، من دون أي خسارة، أو فقدان للجودة والنوعية، وبالتالي سيكتشف المستمعون ما كان ينقصهم.

سلة واحدة

مع القلق من اختفاء مسألة التخزين بشكل تدريجي، ما الذي سيمنع الفنانين من ضم الأعمال الفنية إلى أعمالهم الموسيقية مثل الفيديو والأناشيد والأشعار والرسم، وحتى التطبيقات التفاعلية؟ يقول الخبراء إن تطبيقات (آي فون) الفنية الحالية من الأمور العادية

فهواة الموسيقى العرضيون سيستقبلون بث أغنية، أو أغنيتين مجانا، أما الممعنون من هواة الموسيقى والمتحمسون لها فسيدفعون أجرا لتنزيل التطبيق برمته واستخدامه على نطاق واسع، يتضمن الموسيقى مندمجة مع أشكال ووسائط فنية أخرى. ولسوف تصبح الموسيقى أرخص، في ظل سيطرة متزايدة للتقنية الرقمية على عمليات التسجيل.

فالأعمال التي كانت تكلف عشرات الآلاف من الدولارات، فضلا عن ضرورة تخصيص استوديوهات احترافية، باتت تنجز اليوم عن طريق الكومبيوتر الشخصي وبرنامج مجاني مثل «كاراج باند» أو «أوداستي». وفي العام 2020 سيقضي هواة الموسيقى الفترة ذاتها تقريبا في إنتاج التسجيلات الموسيقية والتشارك بها مع الأصدقاء والأحباب، في الوقت الذي يستمعون فيه إلى الموسيقى المسجلة بصورة احترافية.

فقبل عشر سنوات كان الكتاب نسيج وحدتهم. واليوم بات الكل يملك مدونة، أو على الأقل صفحة «فيسبوك». وخلال عشر سنوات سيصبح الجميع موسيقيين وفناني تسجيل.

مجرد «إيحاء» لا «بحث»

في عالم الموسيقى التي تطلب من السحاب الإلكتروني، سيصبح البحث مهما للغاية. إذ سيرغب المستخدمون في العثور على الأغاني، لا عن طريق اسمها، أو ألبومها، أو مؤلفها فحسب، بل عن طريق مقتطفات من الأغنية، أو حتى عن طريق ترنيم لحنها، أو عزف جزء من لحنها. لكن البحث هذا قد يكون جزءا من السؤال.

ففي العام 2020 ستصبح التوصيات أيضا، والآراء الشخصية بالأغنيات كالتي توفرها مواقع مثل «باندورا» و«سلاكر» وغيرها أكثر أهمية من البحث ذاته، ويتوجب دمجها في أي خدمة موسيقية ترغب في البقاء والاستمرار.

ومع تراجع عائدات التسجيل يتوجب على الفرق الموسيقية جذب المعجبين واستقطابهم إلى حفلاتها الحية لكي تواصل استمرارها والإبقاء على الاتصال الشخصي معهم عن طريق المدونات والمواقع الاجتماعية، مثل «ماي سبيس» و«فيسبوك»، ونشر سيرهم الذاتية هناك مع لقطات فيديو تختلط بلمسات من الظرف والفكاهة وغيرها.

دبي ـ رولا علي