في نهاية ستينيات القرن الماضي حلم الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول بإذاعة فرنسية تخاطب الشرق، وتدخل إلى عقول وقلوب شعوبه «القيم الفرنسية».
كانت آذان الشرق قد ارتهنت منذ زمن بعيد إلى أثير الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، ولم يكون ديغول ليعجب بذلك. لم يعش الجنرال كثيرا لكي يرى حلمه وقد تحقق، بعد فترة وجيزة، بإنشاء إذاعة أطلق عليها «راديو مونت كارلو الشرق الأوسط». ولا يعرف بالتأكيد شيئا عن غابي لطيف وحكمت وهبي وغيرهما من مذيعي الرعيل الأول من العرب الذين استأثروا بميكروفون الاذاعة على مدى سنوات طوال، قبل أن يتنحوا، في اللحظة ذاتها التي تنحى فيها العالم عن الاقبال على الراديو، مع شيوع أجهزة تواصل وإعلام حديثة، وقبل أن تغرق الاذاعة ايضا بمشاكلها الداخلية المعقدة، والتي تبدأ بسوء الإدارة ولا تنتهي عند تضارب الاجندة الشخصية لبعض العاملين مع الأجندة العامة ل» مونت كارلو»، والتي بدورها فقدت اتزانها ووضوحها.
اليوم، تأتي ناهدة نكد، إعلامية فرنسية لبنانية عملت طوال سنوات في التلفزيون الفرنسي «تي اف 1»، بمهمة محددة تشتمل نفض الغبار عن ميكروفون هذه الإذاعة، التي كانت إلى شهور مضت مجرد علامة تجارية تحتمل من النوستالجيا أكثر من الواقع.
ومن الحكاية التي يتوارثها الجيل الجديد من الشباب العربي عن آبائه، من دون ان يقيم فعلا أي صلة بهذه الاذاعة. خلال أكثر من عام، قامت نكد، المسؤولة عن القسم العربي في الإعلام الخارجي الفرنسي الذي يضم اليوم.
اضافة إلى «مونت كارلو»، قناة «فرانس 24» الفضائية التي تخصص جزءا من بثها اليومي باللغة العربية، ومنصات أخرى، بجولة «طريق» (رود شو) في عواصم عربية، ذات ثقل إعلامي، مثل بيروت والقاهرة وعمان ودمشق، قبل أن تحط رحالها في أبوظبي، الأسبوع الماضي، خلال قمة الإعلام، من أجل التعريف بخطة «احياء النكهة الفرنسية للإعلام الغربي الذي يخاطب العرب»، ومن ثناياها خطة «احياء مونت كارلو الدولية» من جديد.
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، تمكنت الإذاعة، رغم الهنات والهفوات، من حجز حيّز معيّن من المشهد السمعي، وطوّرت طرائق تواصلية أثّرت فيما بعد على التعبيرات الإعلامية المحلية في المنطقة العربية.
لكن تأثيرها ودورها تراجعا كثيراً في السنوات الأخيرة بسبب أزمات بنيوية وإدارية، ووقوعها في فخّ الخلافات الشخصية ذات الأبعاد المناطقية وحتى الطائفية أحياناً، من خلال عناصرها العاملين القادمين من المشرق ومن المغرب العربيين، بالرغم من أنها مموَّلة كلياً من الحكومة الفرنسية، وبالأخص من وزارة الخارجية.
لكن نكد لا تبسط الأسباب المعقدة للتراجع، على ذلك النحو، بل تعيده إلى جملة عوامل متضافرة. تقول: أولا، هناك أزمة الراديو في العالم العربي، وتراجع أعداد المستمعين بشكل كبير، اذ لم تعد الإذاعة هي المصدر الوحيد للحصول على المعلومات والأخبار.
وتحديدا لدى فئة الشباب، الذين، إن أنصتوا للراديو، فهم لا يبتعدون عن الابحار في موجات ال» أف أم» الترفيهية، بشكل خاص. أما العامل الثاني فيعود إلى الإهمال الشديد، والذي تصفه نكد أنه قارب شكل «الجريمة»، في حق الإذاعة من قبل الادارات السابقة.
والذي فتح المجال أمام بيئة خصبة من الخلافات الشخصية بين العاملين فيها، الآتين بدورهم من جنسيات وقوميات مختلفة:»تدهورت الإذاعة إلى خط معين، بات من الصعب الرجوع عنه. لكن، حين بزغ الضوء الأخضر من الإدارة الفرنسية الحكومية الحالية، لتدعيم الإعلام الفرنسي الناطق باللغة العربية، قمنا باجراءات تحسينية كثيرة في زمن قياسي».
ذلك الضوء كان يشع ب» بالأحمر» قبل اقل من سنتين. اذ يذكر المتتبعون بشكل واضح الموقف الأصلي للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من تجربة الإعلام الفرنسي الناطق بالعربية.
فقد صرح بعد فترة وجيزة من تسلمه مقاليد الحكم بأنه لن يجعل دافع الضريبة الفرنسي يدفع لمحطّة تلفزيونية غير ناطقة بلغته الأم! واعتبرت هذه التصريحات آنذاك غريبة في حقبة القرية الكونية وتداخل اللغات والثقافات وتلاقحها، ومتناقضة مع سياسة الرئيس الأسبق جاك شيراك ورؤيته الانتشارية للثقافة الفرنسية والقيم الجمهورية، بعيداً عن حصرها بين جدران الفرنكوفونية كعصبية لغوية، بل باعتبارها سلّة قيم ومفاهيم.
لماذا تغيرت المواقف، الآن، وكيف غير الرئيس، الذي يحاصر حزبه اليوم بتدني الشعبية في الشارع الفرنسي، فكره، ولماذا استحال «الأحمر» اخضر، وازدادت ميزانية الإعلام الفرنسي الموجه للعالم العربي حوالي 10 ملايين يورو عن العام السابق. تضحك نكد:» لا أعرف، اسأله!».
ثلاثة خطوط تعمل عليها نكد بشكل متواز: تحويل أثير الإذاعة من موجات ال» أي أم» إلى «أف أم»، توزيع البث على كافة الدول العربية، واجراء المزيد من الدراسات التي تستكشف ذائقة جمهور الاذاعة العربي.
هذه الدراسات كانت، خلال الفترة الماضية، وراء إطلاق البرمجة الجديدة للإذاعة، والتي لم يخف رئيس «الإعلام الخارجي الفرنسي» ألان دو بوزياك الشهر الماضي في بيروت سعادته بها، متمنياً أن تتمكّن الإذاعة من استقطاب الشباب، وألا تبقى «محطة الآباء والأجداد كما كانت الحال في السابق». تقول نكد:» كشفت هذه الدراسات أنّ وسائل الإعلام الفرنسية مهمة ومؤثرة في المجتمع العربي».
لا ضغوط
تنفي ناهدة نكد، مديرة القسم العربي في «ايه إي اف»، أي ضغوط تتلقاها في عملها من الرئاسة الفرنسية، فيما يتعلق بتوجه اذاعة «مونتي كارلو» وفضائية «فرانس 24» في معالجة قضايا العالم العربي. وتقول إنها لا تنحاز للتوجهات السياسية لطرف على حساب الطرف الآخر، وقد منعت توجيه الأخبار بحسب الأهواء السياسية للعاملين في الإذاعة.
«كما أنني لن اسمح بالتدخلات ولا بتلقي المكالمات الموجهة». وتعتبر أن تاريخها الحيادي مع العاملين في الإذاعة، حيث اتت من الخارج، من قناة «تي أف 1»، ساعدها على اتخاذ قرارات تم التجاوب معها بسرعة من قبل العاملين:» حين أتيت إلى منصبي قبل شهور، وددت أنني أقوم بالإشراف على إذاعة مختلفة تماما.
توقعت أن الأسهل هو إنشاء إذاعة جديدة، على أن يتم إحياء مونتي كارلو. لكنني قمت بإجراءات إدارية سريعة كان لها صدى ايجابيا». وترصد نكد أداء المذيعين والمعدين والعاملين بشكل يومي وتتدخل دوما في تفاصيل هذا العمل «أمضيت شهورا استمع اليهم، فنلت ثقتهم، وتم خلق ذلك الشغف لدى الجميع بإعادة مونتي كارلو إلى مكانتها السابقة من جديد».
«الإمارات بوابتنا إلى الخليج»
تقول نكد انه خلال الفترة المقبلة، سوف يتم تكريس منصة «مونتي كارلو» الخليجية، من أبوظبي، بشكل مشابه لاعتماد منصة بيروت مركزا في محيطها.
وتكشف أن اهتمام الاذاعة سيركز بالدرجة الأولى على المواضيع الاقتصادية والثقافية، وأن توسع أعمالها في الإمارات مرهون بالميزانية حيث إن «تكلفة البث الاذاعي هنا تكلفنا ثلاثة أضعاف ما نتكبده في بثنا من لبنان، على سبيل المثال».
وتقول إن الاذاعة سوف تحرص على تقديم مضمون محترف وله قيمة، ويوازي حرفية الاذاعات التي تبث داخل فرنسا، والتي قطعت شوطا كبيرا في علاقتها بالمستمعين، حث باتت جزءا من حياة الناس اليومية:» نريد أن يكون البث الخارجي أيضا بالجودة ذاتها».
وتتحضر نكد، مع مسؤولين في المجموعة الإعلامية الفرنسية، لزيارة جديدة إلى دولة الإمارات خلال الفترة القريبة المقبلة.
أبوظبي- إبراهيم توتونجي

