«أنت لا تعانين من مشكلة مرضية، وعلاجك يتمثل في الحصول على قسط وافر من الراحة، وتناول بعض المكملات الغذائية، وأنصحك بتناول عقار .. فهو مفيد في مثل حالتك».

«ضغط الدم المرتفع، يمثل خطراً داهماً في حال كان المريض مصاباً بالسكري، والعلاج الأمثل في مثل حالتك، يكمن في تناول عشبة .. وعقار .. الذي أجازته منظمة الأغذية والأدوية الأميركية مؤخراً».

هذه هي العبارات التي تمثل طائفة مما يردده الكثير من الأطباء على الفضائيات العربية في البرامج الطبية، التي أخذت مؤخراً تتمرد على دور التثقيف الصحي، وأصبحت تشخص الحالات وتصف العلاج على الهواء مباشرةً، من دون توقيع الكشف الطبي والمعاينة على المريض، إذ يكفي أن يروي بعضاً مما يعتريه من أعراض، وبالطبع فإن الطبيب «ضيف الحلقة»، يستطيع التوصل إلى أصل الداء. فهل هذه طريقة مناسبة للتشخيص أم أنها تتنافى مع التقاليد والبروتوكولات الطبية المتعارف عليها عالمياً؟

وما هي ضمانات عدم قيام بعض الأطباء بالترويج لعقار بعينه لصالح الشركات الراعية التي تضخ مئات الآلاف من الدراهم مقابل الإعلانات؟، وأين دور لجنة الإعلانات الطبية في وزارة الصحة من هذه البرامج وهي التي تراقب الصحف والإنترنت وكافة وسائل الإعلام الأخرى؟، وهل يتعمد مقدمو هذه البرامج ومعدوها التحايل على اللجنة عبر تمرير رسائلهم الإعلانية في برامج ظاهرها التثقيف الصحي وباطنها الترويج؟

أسئلة واحتمالات

يقول العقيد دكتور علي سنجل، مدير إدارة الخدمات الطبية في شرطة دبي، ومقدم البرنامج الطبي الشهير «فيتامين»: إن فحص الحالة المرضية، يجب أن يعتمد على مجموعة متتابعة من الإجراءات الطبية، وتتمثل الخطوة الأولى في الاستماع إلى القصة المرضية من المريض، والتعرف بدقة إلى كافة الأعراض التي تعتريه،.

ومن ثم الاطلاع على الملف المرضي، وخلال هذه المرحلة يحرص الطبيب على توجيه مجموعة كبيرة من الأسئلة، للتأكد من المعلومات، وقد تتم إعادة السؤال بصيغ مختلفة، حتى يستبعد الطبيب مجموعة من الاحتمالات ويستبقي احتمالات أخرى.

وفي المرحلة الثانية، تتم الفحوصات السريرية والإكلينيكية، وهذه خطوة إجرائية مهمة، حتى يكون التشخيص سليماً، ولكي يحصل المريض على العلاج المناسب.

ويضيف: في بعض البرامج التلفزيونية، يكتفي الأطباء بسماع القصة المرضية من المتصل، وغالباً ما تكون القصة مختزلة غير مكتملة الأركان، نظراً لضيق وقت الحلقات، ورغبة الإعداد في تلقي أكبر عدد من الاتصالات، التي تدر أرباحاً مباشرة، وأرباحاً غير مباشرة عبر إقناع الشركات بجماهيرية البرنامج، ومن ثم الإعلان في القناة. والمؤكد أن القيام بتشخيص حالة مرضية على الهواء، أمر لا يتفق مع كلاسيكيات مهنة الطب، ويتنافى مع الأسس العامة لأخلاقياتها.

ويفسر الدكتور علي سنجل تفشي الظاهرة قائلاً: إن الأمر يرجع إلى سيطرة ما يمكننا تسميته «مبادئ الطب الرأسمالية»، فالهدف من صناعة البرنامج، ليس رفع معدلات الوعي والثقافة الصحية في المجتمع، وإنما رفع عائدات الإعلانات، ما يكشف بجلاء أن الطبيب لم يعد حكيماً، يمنح ما لديه من علم لمساعدة الناس، بقدر ما أصبح «شاهبندر التجار».

وبطبيعة الحال، فإن التعميم على كل البرامج وكل الأطباء، يحمل ظلماً وغبناً كبيراً للنماذج الملتزمة، لكن ما من شك في أن المعايير قد أصبحت مضطربة، وأن هناك محاولات متعمدة لتمرير مواد دعائية من خلال البرامج الطبية...

فبعض الأطباء «التلفزيونيين» إن صح التعبير، قد تجاوزوا مسألة تشخيص الحالات، وأصبحوا لا يتورعون عن وصف الدواء للمتصلين، وهنا مكمن الخطورة، حيث لا توجد ضمانات، لعدم تعمد هؤلاء الترويج لمنتجات ما، لصالح شركات بعينها، وهذه كارثة طبية أخلاقية لا يجب السكوت عنها.

الاعتبارات الأخلاقية

ويتذكر الدكتور سنجل كلمات أحد أساتذته بينما كان طالباً يدرس الطب في أيرلندا، حيث يقول: كان هذا الأستاذ الكبير، يحرص على أن يردد على مسامعنا، أنه في حال ارتقت الاعتبارات المادية، في ممارسة مهنة الطب، فإن الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، تندثر وتنهار إلى الأبد، وكان يحذر من هيمنة شركات إنتاج الدواء «هوامير السوق» على المهنة، فإذا نشأت علاقة منفعة متبادلة بين الطب والدعاية، يصبح المريض المتضرر الأول والأخير، في ما يتربح الجميع على حساب غشه وخداعه وبيع الوهم له.

ويقول: عندما قررت تقديم برنامج فيتامين على تلفزيون دبي، كنت أضع أمام عيني مجموعة من المبادئ والأهداف السامية، وقد تعمدت الاستفادة مما شاهدته من برامج طبية أثناء دراستي في أيرلندا والمملكة المتحدة، وكان من أبرز ما حرصت عليه:

عدم ذكر الاسم التجاري، لأي منتج دوائي، وعدم الخضوع لإغراءات الرعاة والمعلنين، وراهنت على أن تقديم خدمة تثقيف صحي رصينة ومنضبطة، سيحقق للبرنامج نسبة مشاهدة تليق بطموحاتي وطموحات القناة، وأحسب أنني تمكنت من تحقيق هذا الطموح إلى حد كبير.

قصص مبتورة

ويرى الدكتور سمير غويبة، رئيس قسم الدراسات الإعلانية في وزارة الصحة، أن التشخيص التلفزيوني، يمثل مهزلة طبية بكل ما تحمله العبارة من معان، لأنه يفتقر إلى مجموعة مهمة من عناصر التشخيص.

فالمريض قد لا يكون عالماً بأبعاد مشكلته، وقد يلجأ إلى تضخيمها، مما يؤثر في الصورة الذهنية التي تتكون في عقل الطبيب، وفي أحيان كثيرة، يقوم مقدمو البرامج الذين يرافقون الأطباء، بمقاطعة المتصل، ما يؤدي إلى قصة مرضية مبتورة غير مكتملة الأركان، ولأن سياسة البرامج، تعتمد على جذب أكبر قطاع من البسطاء، وعلى الترويج لشركات الرعاية، فإن الطبيب، يضطر للتشخيص ووصف العلاج.

كما يلجأ بعض المرضى إلى تجميل أنفسهم، عبر نفي بعض الحقائق، أو إخفاء بعضها الآخر، بسبب شعورهم بأنهم يتحدثون على الملأ، وهو أمر يتنافى مع مبدأ الخصوصية والسرية، الذي يعد ركناً أصيلاً في الممارسة الطبية.

ويقول: إن البرامج الطبية التي تخرج عن دورها التثقيفي، وتتحول إلى عيادات على الهواء، تتجاهل أن التشخيص السليم يجب أن يستند إلى ثلاثة عناصر أساسية، وهي: التعرف بدقة إلى القصة المرضية، وإجراء الفحص السريري، ومن ثم الإكلينيكي بشقيه الإشعاعي والمخبري، فأين هذه العناصر من التشخيص عبر الهاتف؟، وهل حصول الطبيب على قصة مرضية مبتورة يؤهله للبت ولتحديد العلة المرضية والإجراء العلاجي الصحيح؟

وجبات سريعة

ويرصد الدكتور غويبة عدداً من الممارسات الخاطئة، التي تسقط فيها بعض البرامج، فهناك أطباء يمررون عمداً رسائل إعلانية، خلال حديثهم، وهناك قنوات لا تتحرى الدقة في اختيار المتحدثين، فيحدث مثلاً أن تستضيف طبيب جراحة عامة، ليتحدث عن الليزر.

ولعلنا نذكر جميعاً، السقطة المدوية التي وقعت فيها الكثير من الفضائيات المحلية والعربية، عندما أخذت تستضيف وبكثافة أحد أخصائي العلاج الطبيعي «التدليك» بوصفه خبيراً دولياً في الطب البديل، ما أسهم في أن يحصد هذا المدعي الكثير من الشهرة، ويجني الأرباح الطائلة، حتى انكشفت حيلته، وتقرر غلق مركزه الطبي الذي كان يقع في إمارة عجمان، بموجب قرار من وزير الصحة.

ويعتقد بأن الفوضى الراهنة تستدعي عمل ميثاق طبي إعلامي أخلاقي، يقوم بوضع أسسه عدد من كبار الإعلاميين في الوطن العربي، وعدد من أساتذة الطب المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، حتى تنضبط الحالات المنفلتة، ومن أجل حماية الجمهور من التضليل والترويج، ومساعي إلباس أسمى مهنة، باعتبارات الربح بأية طريقة.

ويقول: إن المشاهد يجب ألا ينخدع وينساق وراء الدعاية البراقة، وعليه أن ينظر للبرامج الطبية على التلفزيون، كونها تقدم خدمة التثقيف الصحي فقط، وأن يعي أن علاج الحالات المرضية، ليس من مهامها المباشرة، أو غير المباشرة، فالتشخيص والعلاج .

ومن ثم متابعة العلاج، أمر له آليات وقواعد علمية، لا يجوز تجاهلها، وفي حال سمح المريض لنفسه بأن يسقط بين براثن المخادعين، فعليه عندئذ أن يلوم ذاته أولاً.

وجبات جاهزة من دون فائدة

يقول د. غويبة، رئيس قسم الدراسات الإعلانية في وزارة الصحة: إن وصف دواء على الهواء ممنوع أخلاقياً، وهذا يعود لعدة اعتبارات، منها: أنه من الممكن أن يقوم أحد المشاهدين بالقياس، وعمل مقارنة بين حالته وحالة المتصل.

ومن ثم يتناول الدواء من تلقاء نفسه، فضلاً عن ذلك، فإن المتعارف عليه أن الطبيب مقدم البرنامج، سيخضع في الأغلب لمطالب المعلنين، والشركات الراعية، وهكذا لا تكون الاعتبارات الأخلاقية مصانة ومحفوظة.

وعلى هذا الأساس، فإن الكثير من البرامج الطبية على شاشات الفضائيات، قد أصبحت كالوجبات الجاهزة السريعة، خالية من المضمون العلمي المفيد، فقيرة المحتوى، وبالغة الضرر.

أبوظبي - محمد مصطفى موسى