الأوكسجين هو الحياة. هذه الحقيقة لا تنطبق فقط علينا نحن البشر، فجميع الحيوانات والنباتات بحاجة إلى الأوكسجين، لتحرير الطاقة التي تجمعها من محيطها الطبيعي. وبدون أوكسجين، لا تستطيع الكائنات الحية إنتاج ما يكفي من الطاقة لإسناد نمط حياة نشط، أو حتى لجعلها وليمة مستساغة للكائنات الأخرى. أي انه بدون الأوكسجين يصبح الافتراس، الذي يعتبر محركا أساسياً للتغير النشوئي، مستحيلاً.
ولكن كيف أصبحت الأرض محظوظة بالحصول على أوكسجينها؟ قبل عشر سنوات لم تكن الإجابة عن هذا السؤال معقدة، كما يقول نك لين، الباحث في لندن كوليج، والذي كان عاكفاً في تلك الفترة على تأليف كتاب بعنوان «الأوكسجين».
فلقد كانت بكتيريا التخليق الضوئي تعتبر العنصر المكون السحري للأوكسجين الأرضي. فتلك الكائنات المجهرية الدقيقة ظهرت في محيطات الأرض في مرحلة مبكرة، قبل نحو 4 إلى 3 مليارات سنة.
خلال الملياري سنة التاليين، قامت تلك البكتريا بإنتاج كميات هائلة من الأوكسجين. وقبل حوالي 600 مليون سنة من الآن، أصبح الهواء جاهزاً لنشوء الحيوانات المعقدة والحياة النباتية.
لكن الآن انهارت هذه القصة البسيطة الممتعة، ولم يعد العلماء متأكدين من الطريقة التي حصلت وحافظت بها الأرض على غلافها الجوي الغني بالأوكسجين. ويقول جراهام شيلدز، عالم الكيمياء الجيولوجية في لندن كوليج أيضاً: «التخليق الضوئي وحده لم يكن كافياً، بل احتاج الأمر إلى عملية متناغمة معقدة بين الجيولوجيا والبيولوجيا».
ويشير إلى أن قصة الحياة على الأرض معقدة جداً، وربما تكون أكثر تعقيداً مما كنا نتصور. وبعد العديد من البدايات الوهمية، اجتمعت أخيراً تشكيلة محددة واحدة من العناصر الكيميائية والبيولوجية والجيولوجية لتحرير الأوكسجين الذي نتنفسه اليوم. وحتى في حينها، تخللت العملية النشوئية العديد من الحوادث المواتية وغير المواتية، لدرجة ان الأرض، كما يقول الباحثون، كانت محظوظة جداً، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.
ترجح أحدث النظريات أن البكتيريا الزرقاء المصنعة للضوء ظهرت لأول مرة في محيطات الأرض قبل حوالي 7,2 مليار سنة، فلماذا استغرق منها الأمر كل هذا الوقت لكي تنتج كميات أوكسجين كبيرة في الجو؟
أحد الاحتمالات المطروحة الآن هو ان أول مهمة للأوكسجين تمثلت في أكسدة كل الحديد والمركبات، مثل كبريتيد الهيدروجين، في المحيطات، ولم يكن بمقدوره الخروج إلى الغلاف الجوي إلا بعد إنجاز تلك المهمة.
لكن، ربما تكون الإجابة الأكثر إقناعاً إجابة جيولوجية صرفة، وتأتي من عالم الجيولوجيا المخضرم هاينريتش هولاند من جامعة هارفرد. فهو يشير بشكل خاص إلى الغازات، مثل الميثان وكبريتيد الهيدروجين، التي تلفظها الأرض باستمرار عن طريق البراكين، موضحاً انها تفاعلت مع أول كميات من الأوكسجين الحر، لتشكل ثاني أكسيد الكربون والأكسيدات الكبريتية، مما أدى إلى إزالة الأوكسجين من الدورة. واقترح هولاند أن عمليتين منفصلتين حدثتا على مدار العصور الجيولوجية.
الأولى تمثلت في الاضمحلال التدريجي لإمدادات الوقود المشع في باطن الأرض، مما تسبب في خفض الحرارة الداخلية للأرض. وهذا بدوره قلص معدلات الانفجارات والانبعاثات البركانية، كما بدأ معدل دخول الغازات المستهلكة للأوكسجين إلى الغلاف الجوي بالانخفاض تدريجياً أيضاً. والثانية، أن الغازات البركانية نفسها كانت تحتوي على الأوكسجين.
فلا بد ان الأوكسجين الذي أنتجته الأجيال الأولى من البكتيريا الزرقاء قد عمل على أكسدة الصخور السطحية. وبما أن تلك الصخور تدور داخل غلاف الأرض من خلال عمليتي الانغراز والتحميل الحراري، فإن الصخور المحملة بكميات الأوكسجين الإضافية راحت تصب تدريجياً في الغازات التي تقذفها البراكين.
ومع استمرار البكتيريا الزرقاء في إنتاج الأوكسجين، وصلت الأرض إلى نقطة رجحت عندها كفة الأوكسجين، وتراكمت كميات الأوكسجين الإضافية في الهواء. وربما استغرق الأمر 300 مليون عام حتى وصلت مستويات الأوكسجين إلى المستوى الحساس الذي بدأ عنده نشوء أشكال الحياة الحيوانية المتطورة.
