تحيط بنا في هذا العالم الكثير من الألغاز العلمية، بدءاً من غموض المادة الداكنة التي يعتقد انها تملأ الفراغ الكوني، وصولاً إلى فهم نشأة الكون، وبعض تلك الألغاز أقرب إلى عالمك المحسوس، وقد تجدها في مطبخك. وما عيك سوى ملء كوب بالماء البارد، ثم إلقاء قطعة ثلج وتركها حتى تستقر فيه.

فحقيقة أن قطعة الثلج تطفو على السطح هي أول ظاهرة علمية غريبة. واللغز يزداد تعقيداً إذا وضعت ميزان حرارة في الكوب، وقمت بقياس حرارة الماء عند أعماق متفاوتة، حيث ستجد أن درجة حرارة الماء عند السطح قريباً من قطعة الثلج تقارب الصفر، بينما هي في القاع تقارب 4 درجات مئوية. وذلك لأن الماء عند درجة 4 مئوية يكون أكثر كثافة منه في أي درجة حرارة أخرى، وهي سمة غريبة أخرى تميزه عن بقية السوائل.

ولا تتوقف خصائص الماء الغريبة عند هذا الحد، فهي كثيرة وبعضها أساسي للحياة نفسها. فحقيقة ان الجليد أقل كثافة من الماء، والماء أقل كثافة عند درجة التجمد منه عندما يكون أدفأ بقليل، تعني ان التجمد يبدأ من الأعلى باتجاه الأسفل. ولذلك، فحتى خلال العصور الجليدية، استمرت الحياة في قيعان البحيرات وفي أعماق المحيطات.

وكذلك فإن الماء يمتلك أيضاً قدرة استثنائية على مقاومة الحرارة، وهذا يساعد على تلطيف تأثير التغيرات المناخية، التي كان يمكن ان تتسبب في تدمير الأنطمة الإيكولوجية، لولا ذلك التأثير.

ومع ذلك كله، وبرغم أهمية الماء للحياة، لم تتمكن أي نظرية من تفسير تلك الخصائص الغريبة بشكل واف، طيلة العقود الماضية. لكن الآن، إذا صدق عالما الفيزياء أندير نيلسون في جامعة ستانفورد الأميركية ولارس بيترسون من جامعة ستوكهولم السويدية وزملاؤهما، فربما نكون على وشك فك أسرار تلك الخصائص الغريبة.

تتوسع الأفكار التي جاء بها هؤلاء الباحثون في نظرية وضعها قبل حوالي قرن العالم الشهير فيلهليم روتجين، مكتشف أشعة إكس، الذي قال ان جزيئات الماء السائل لا تتحد فيما بينها بطريقة واحدة، كما تنصّ كتب الفيزياء الحالية، وإنما بطريقتين مختلفتين كلياً.

ومن العناصر الأساسية لفهم ألغاز الماء الطريقة التي تتفاعل بها جزيئاته ؟ المؤلفة من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين - مع بعضها. فذرة الأوكسجين لها شحنة سلبية طفيفة، بينما تشترك ذرتا الهيدروجين في شحنة إيجابية تقابل تلك الشحنة السالبة.

وهكذا تتجاذب ذرات الهيدروجين والأكسيجن في الجزيئات المتجاورة، مشكلة فيما بينها رابطاً يسمى رابط الهيدروجين. وقبل عدة سنوات، ألقى اكتشاف توصل إليه بيترسون بالصدفة بظلال الشك على هذه الصورة، حيث خلصت نتائج أبحاثه إلى أنه في أية لحظة لا على التعيين لا بد ان تكون 85 بالمئة من روابط الهيدروجين في الماء ضعيفة أو متفككة، وهي نسبة تفوق بكثير نسبة ال10 بالمئة التي تنص عليها كتب الفيزياء.

وكان واضحاً أنه سيكون لهذا الاكتشاف أهمية كبيرة، من حيث انه يستدعي إعادة التفكير في طبيعة بنية جزيء الماء بشكل جذري. ولذلك لجأ نيلسون وبيترسون إلى تجارب الأشعة السينية لتأكيد صحة نتائج أبحاثهما. وتمثلت أول خطوة في الاستعانة بالعالم شيك شين، من جامعة طوكيو، الذي يتخصص في تقنية تعرف باسم مطيافية انبعاثات الأشعة السينية.

والخاصية الأساسية في هذه الأطياف هي انه كلما قصر الطول الموجي للأشعة السينية الموجودة في طيف انبعاثات المادة، كان رابط الهيدروجين فيها أضعف.

وكانت نتيجة التجارب التي أجراها الباحثون بواسطة هذه التقنية مثيرة، حيث وجدوا ان طيف الأشعة السينية المنبعثة عن جزيئات الماء تتضمن ذروتين ربما تتوافقان مع تركيبين منفصلين ومختلفين كلياً. وجادل الباحثون بأن الارتفاع الحاد في الأشعة السينية ذات الطول الموجي الأطول يشير إلى تشكيلة رباعية لترتيب جزيئات الماء، بينما تعكس الذروة ذات الأطوال الموجية الأقصر المنطقة غير المنظمة من تكتلات جزيئات الماء.

والمثير للاهتمام هنا، أن ذروة الأطوال الموجية الأقصر في انبعاثات الأشعة السينية كانت أكثر تركيزاً من الذروة الأخرى، مما يشير إلى ان الجزيئات ذات الروابط الضعيفة أكثر شيوعاً من الأخرى في عينة الماء. واستنتج الباحثون بعد القيام بجملة من التجارب المعقدة في هذا الإطار ان جزيئات الماء ربما تتأرجح بين الحالتين مرة كل جزء من تريليون من الثانية في تزامن مع انفكاك واسترجاع رابط الهيدروجين.

هذا التغير في توازن جزيء الماء، كما ظهر في تجارب نيلسون وبيترسون، يقدم تفسيراً منطقياً للغز ازدياد كثافة الماء إلى أعلى مستوياتها عند درجة حرارة 4 مئوية. ففي المناطق التي تزداد فيها نسبة الجزيئات غير المنظمة، تتكتل جزيئات الماء ضمن مسافات أقرب مما يجعلها أكثر كثافة من المناطق التي تشهد وجودا أكبر لتكتلات جزيئات الماء الرباعية المنتظمة.

وعند درجة صفر تكون مناطق التكتل العشوائي أقل شيوعاً نسبياً، لكن مع ازدياد درجة حرارة الماء، تعمل طاقة الحرارة الزائدة على خلخلة التركيبات المنظمة، بحيث تمضي الجزيئات وقتا أقل في الترتيبات الرباعية ووقتاً أطول في المناطق غير المنظمة، مما يزيد كثافتها في المتوسط.

إعداد ـ علي محمد