نقف اليوم أمام حالة من حالات ذوي التحديات الخاصة استطاع بما امتلكه من قوة الإرادة والملكة الإعلامية أن يقف في الصفوف الأولى مدافعا عن حقوق المعاقين وتحسين أوضاعهم الحياتية والعملية مستفيدا من دراسته الجامعية في تطوير كيفية تعامل مجتمع الإمارات مع هذه الفئة انه ماجد العصيمي الذي يحدثنا عن تجربته في هذا المجال.
التأهيل النفسي يقول العصيمي: أصبت بشلل أطفال وعمري سنة ونصف السنة نتج عنه ضعف في الأعصاب في القدمين والظهر، وتأكد بان هذا سيلازمني طيلة عمري، واعتبر هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، وجرى علاجي جراحيا وطبيعيا بعد ذلك.ولكن الهدف منه كان تطوير وتقويم بعض الوظائف والإعاقة تعتبر قضية جديدة على كل أسرة وكان عند والدي رحمه الله خبرة سابقة في مسألة الإعاقات لأنه تعرض لحادث أثناء عمله وأرسل إلى لندن للعلاج، لذلك كانت عنده فكرة مبسطة عن تأهيل حالتي ولكن الوالدة لم يكن لديها علما كافيا بماهية الإعاقة وكيفية التعامل مع الطفل المعاق فالقضية ليست مجرد تعامل جسدي مع المعاق في كيفية رفعه وتوصيله من مكان إلى آخر بينما الجانب الرئيسي مرتبط بالجانب النفسي .
بحيث يتم تجاوز الحالة النفسية التي تخلفها الإعاقة في هذا الطفل الذي ينظر إلى إخوانه الأسوياء ويريد أن يفعل ما يفعلونه ولكنه لا يستطيع ذلك، ويجهل السبب ولا يستطيع أن يفسر السبب في تلك الفترة من العمر والحمد لله فقد وجدت الدعم النفسي في المنزل .
وهذا هو الذي دفعنا للوصول في الحياة نحو تحقيق انجازات طيبة لي ولبلدي فكان الوالد يدفعني للخروج من المنزل واللعب مع إخوتي وشراء الألعاب نفسها التي يشتريها لهم وعدم التفريق بيني وبينهم سواء في التعليمات أو حتى في العقاب وهذا ولد لدي عدم الشعور بالاختلاف بيني وبين إخوتي.
دمج المعاقين في المدارس
وحول دراسته يقول ماجد إنه بدأ دراسته حتى الصف الرابع الابتدائي في مدارس المعاقين وتحديدا في مركز دبي لرعاية المعاقين وفي عام 1986 جاء توجيه من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بدمج المعاقين حركيا في المدارس الحكومية وكان ذلك بالنسبة لي كارثة وربما كانت فكرة الدمج سهلة لكن تطبيقها كان صعبا إذ تفرقنا نحن المعاقين عن بعضنا وتم التحاق كل واحد منا في مدرسة حسب المنطقة التي يسكن فيها فالتحقت بمدرسة فيها نحو 500 طالب .
ولم يكن فيها أي تسهيلات للمعاقين تمكنهم من حرية التحرك والتنقل، ولم تكن بها دورات مياه خاصة بالمعاقين وكانت المختبرات العلمية كلها في الطابق العلوي، وكان الطلاب يتعاونون في حملي مع الكرسي والكتب إلى هناك يوميا لحضور التجارب في المخبر وكثيرا ما تعرضت للسقوط والوقوع والغياب أكثر من مرة عن حصص العلوم فتعرضت لمشاكل كثيرة.
وقد ترك عدد من المعاقين الدراسة بسبب مشاكل الدمج هذه، والحواجز البيئية والنفسية التي تعرضوا لها وأنا شخصيا في البداية كنت أعود إلى البيت باكيا وارفض العودة إلى المدرسة ثم تركني والدي ارتاح قليلا وبعدها أخذني إلى البحر وتكلم معي وشجعني على مواصلة الذهاب إلى المدرسة فبادرت بوضع حاجز صد لنفسي، فمن يتكلم معي بكلام غير لائق أرد عليه، ومن يمازحني أمازحه.
وببعض الإمكانيات التي أعطاني الله إياها استطعت تجميع فريق من الأطفال وقيادتهم والدخول في مجالس الطلاب منذ المرحلة الإعدادية، وهذا أعطى الناس فكرة عني أني إنسان مختلف ومتفوق في دراسته، ويملك نزعات قيادية ولكن حتى الانتهاء من المرحلة الثانوية لم يتغير شئ في المدرسة بالنسبة للخدمات والتسهيلات التي يفترض تقديمها للمعاقين.
أما في كلية التقنية العليا فقد كانت قصة أخرى فمع أن ما يفصلها عن مدرستي الثانوية كان شارعا واحدا لكن كل شيء كان مختلفا وكانت دنيا أخرى فبعد أن وصلت إلى هناك برفقة زميل معاق آخر، استقبلنا مدير الكلية وأعطانا مفتاحا لدورة مياه خاصة مجهزة للمعاقين.
وكانت الكلية كلها مجهزة بالمنحدرات لنسير بالكراسي المتحركة عبرها، وأعطانا مواقف سيارات أمام الكلية مباشرة، وطلب منا إخباره في حالة واجهنا أي صعوبات فأحسست بهذه النقلة النوعية وكأننا سافرنا من بلد إلى آخر فهذا هو المكان النموذجي الذي كنت اطلبه واحلم به فشعرت بالراحة وتفوقت في دراستي وحصلت على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف .
الحياة العملية
كانت لدي رغبة صادقة في تغيير فكر من هم في البيت والحي والمدينة والدولة كلها، على أن المعاق لا يختلف عن الصحيح إلا بالعمل وان المعاق الحقيقي هو من حباه الله العقل ولم يسخره لخدمة نفسه وبلده ومنذ التحاقي عام 1988 بنادي الثقة للمعاقين في الشارقة، والذي أطلق عليه هذه التسمية هو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
وذلك بهدف زرع الثقة في نفوسنا وكان له ما أراد وقد بدأت بلعب الرياضة والمشاركة في بطولات محلية وخليجية وعربية وأجنبية وان كنت غير متميز تماما في الرياضة ولكن كانت تستهويني الجوانب الإدارية أكثر، فتم ترشيحي لأول مرة كنائب لرئيس اللجنة الثقافية .
ومن هناك انطلقت إلى رئيس اللجنة الثقافية، ثم تم اختياري كأصغر عضو مجلس إدارة في نادي الثقة للمعاقين، ثم مدير تنفيذي إلى أمين عام للنادي وبدأت أحقق انجازات لرياضة المعاقين ولنفسي حتى استطعت أن اكسب ثقة الإخوان بالوصول إلى أمانة السر في اتحاد الإمارات لرياضة المعاقين.
وكانت الثقة الأغلى هي ثقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي باختياري عضوا في مجلس دبي الرياضي مع نخبة من الشخصيات الرياضية المعروفة كما حزت على ثقة معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة بإنشاء وحدة لرعاية المعاقين في هيئة الشباب والرياضة.
وقراره بتكليفي بإدارة هذه الوحدة حتى استطيع مع الهيئة وضمن إستراتيجية الدولة رسم بعض القوانين واللوائح التنظيمية التي تخدم هذه الفئة ثم عملت في نادي دبي للرياضات الخاصة واحتضنني الإخوة بكل ثقة كبيرة وكلفوني بمهمة الإدارة التنفيذية هذا بالإضافة لبعض المناصب والمهام الخارجية مثل المستشار الإقليمي للاولمبياد الخاص بشؤون التسويق وعضوية اللجنة التنظيمية في مجلس التعاون الخليجي لرياضة المعاقين.
حقوق المعاقين
وحول حقوق المعاقين في الدولة أشاد العصيمي بإصدار صاحب السمو رئيس الدولة القانون رقم 29 لعام 2006 بشأن حقوق المعاقين، والذي يحمل في طيات صفحاته كل الجوانب التي تهم المعاقين من الصحة والبيئة الاجتماعية والحقوق لكن المشكلة كانت في التطبيق حيث لم يفعل القانون بصورة صحيحة.
ولم تكن هناك جهات تطبق بنود هذا القانون، ونسعى من خلال كل المنابر الإعلامية بالضغط للانطلاق نحو تنفيذ القانون على مساحة اكبر مما هي عليه الآن، ومن وجهة نظري إن أي قانون أو أي عمل لا بد أن يناط إلى جهة مسؤولة في الدولة تقوم بالمتابعة والتنفيذ والتحديث ورفع التقارير إلى مجلس الوزراء ووزارة الشؤون الاجتماعية تقوم مشكورة برعاية قضايا المعاقين، ولكن نظرا لمسؤولياتها الكثيرة فعليها إنشاء مجلس أعلى لرعاية المعاقين على غرار المجالس الموجودة في الدول الشقيقة.
أما من ناحية فرص عمل المعاقين فقد أصبحت أكثر واكبر، وتتسابق مختلف الجهات لتوظيف المعاقين وقد كان لانجازات الحركة الرياضية واستقبال الفائزين منهم قد غير كثيرا من أوضاعهم وكنا قد اخترنا البوابة الرياضية للتعبير عن انجازات المعاقين وقدراتهم الكبيرة، والوصول إلى حقوقهم.
ولو نظرنا إلى حقوق المعاقين في الدولة قياسا إلى حقوقهم في الدول الأخرى فلن نجد شيئا مميزا في هذه الدول عما هو عندنا، بل نحن نتفوق عليهم في كثير من الأشياء لكن في الدول الأجنبية هناك متابعة لتنفيذ القوانين وتفرض العقوبات على من لا ينفذها.
تفجير الطاقات
اعتقد انه يجب إنشاء هيئة عليا لرعاية المعاقين ويكون لها كيان وسياسة خاصتين بها، مع وضع إستراتيجية عمل حتى تتوحد كل الجهات التي تريد خدمة المعاقين في إطارها، وتقوم بعملية تنظيم الأمور .
وتحديث القوانين والمطلب الآخر الذي أتمناه هو تفاعل كل قطاعات المجتمع ومؤسساته مع إخوانهم المعاقين، سواء كانت تلك المؤسسات حكومية أم تجارية خاصة، لان في هذه الشراكة والتعاون رسالة إنسانية سامية لها أبعاد كثيرة أساسها إخراج المعاقين من حياة اليأس والعزلة إلى إنسان منتج وقائد ومدير وتفجير الطاقات الدفينة مع التركيز على دور التأهيل النفسي في هذا المجال.
إعلامي متميز بإنجازاته
إن كل منجزاتي تحسب لصالح حقوق المعاقين ورياضتهم بصفة عامة، حيث استخدمنا الرياضة بوابة للوصول إلى الحقوق وقد قدمت دراسة في هذا المجال بعد زيارات لاستراليا والسويد وألمانيا كونها دولا متقدمة في مجال رعاية المعاقين، وقد لخصت كثيرا من هذه الجوانب بما يتناسب مع دولة الإمارات.
وقمت مع فريق عمل بإعداد إحصائية عن المعاقين وأنواع الإعاقات في الدولة وكنت استخدم المهارة والملكة الإعلامية التي منحني الله إياها في المنابر الإعلامية واللقاءات التلفزيونية وأعددت ثلاثة برامج إذاعية على الهواء وهي «طموح لا ينتهي» .
و«مجلة الشباب والرياضة» في إذاعة الشارقة وبرنامج «معكم نتكامل» على تلفزيون وإذاعة نور دبي استضفت فيه شخصيات من المعاقين، وساهمت في كتابة المقالات والأعمدة في الصحف المحلية، والتحدث باسم المعاقين في مناسبات كثيرة، وافتخر بما وصلت إليه مع إخواني المعاقين، وما حققوه من انجازات اولمبية رياضية.
دبي - موسى أبو عيد

