الترحال إلى بلدان العالم يوفر متعة المشاهدة المباشرة للمظاهر الثقافية والمعرفية والتاريخية لهذه البلاد.. إضافة إلى ما يوفره السفر بالسيارة من تجربة ثرية بالمغامرة والتفاعلات القريبة من جغرافية المكان، ويتيح السفر بالبر تسجيل المشاهدات من أقرب المسافات وأوضحها.

ولأن عمر السويدي يهوى التسجيل عن قرب، ويهوى المغامرات ذات المدى المفتوح بلا حدود، قرر أن يجوب العالم بسيارته، وكانت رحلته إلى أميركا الجنوبية أهم مراحل الجولة وأخطرها، يرى أن السفر بالسيارة محفوف بالمخاطر والمشقة، إلا أن حلاوة المغامرة تنسيه هذه المشقة.كانت البداية من البرازيل وهي دولة مترامية الأطراف تتميز بجمال الطبيعة ويتسم شعبها بالمرح وخفة الظل، ومن اللافت أن جمال الطبيعة انعكس على مكونات الشخصية هناك.فهو شعب فنان، يعشق الفنون ويقضي وقتاً طويلاً في الاستماع إلى الموسيقى، كما يتعامل مع الرسم والغناء والتشكيل بتقدير تام وفهم كبير، علاوة على أنه شعب طيب بالفطرة يميل إلى مساعدة الغير والمبادرة إلى تقديم العون لمن يحتاجه.

واجهتنا مصاعب في البداية بعد وصولنا إلى البرازيل في استلام السيارة من الميناء الذي تم شحنها إليه، ولكن تدخل سفارة الإمارات هناك حل الأمر، وبدأت رحلتنا من إحدى المدن الساحلية عند بزوغ الفجر.نظافة الشوارع والهدوء من أهم السمات التي لفتت أنظارنا، وكان الطقس في المناطق الساحلية أشبه بالطقس في منطقة الخليج من حيث ارتفاع درجات الحرارة ونسبة الرطوبة، أما في المدن الداخلية فتجد طقساً بارداً، وفي مناطق الغابات تجد أمطاراً شبه متواصلة.على أن مدينة ريو دي جانيرو تعتبر من أجمل مدن البرازيل التي تضم 27 مدينة (أو ولاية) وهي عبارة عن شاطئ جميل يمتد إلى عشرات الكيلو مترات ويقصده السائحون من جميع أنحاء العالم لجمال الطبيعة هناك، أيضاً من أجمل المدن وأهمها مدينة (ساوبا لو) و(سانتوس) التي اشتهرت بأنها مسقط رأس لاعب الكرة البرازيلي الأشهر (بيليه) الملقب بالجوهرة السوداء.

ويشير السويدي إلى أن الطبيعة البكر الساحرة تسحبك من برنامج رحلاتك الذي قمت بتنظيمه مسبقاً لتجبرك بجمالها على تسليم القيادة لها والسعي وراء المواقع المتنافسة، يقول: زرت شلالات دياكوزا على حدود الأرجنتين.

وأعتبرها واحدة من أبهى بقاع العالم، أيضاً زرت بعض المدن الأقل شهرة وإن لم تكن أقل جمالاً مثل ساو باولو وتيريسينا وفور تاليزا.

يضيف السويدي: أن السفر بالسيارة على ما فيه من المشقة، يحمل في طياته متعة المشاهدة الممتعة عن قرب لمختلف الظواهر، وتختلف نظرتك إلى هذه الظواهر عندما تراها من نافذة الطائرة أو شباك الباخرة، لأنك لن تستمتع بالتفاصيل مثلما تستمتع بها إذا كانت رحلتك بالسيارة.

ومن الأرجنتين إلى المحيط المتجمد الجنوبي، حيث تتدنى درجات الحرارة إلى مادون الصفر بكثير، واجهنا هناك مشكلة الانتقال بالسيارة بسبب سوء الأحوال الجوية إلا أن أهم ما يميزه هو وجود ألوان تختلف عما نعرفه من ألوان الشفق في أوقات الشروق أو الغروب.

إذ يتحول الأفق إلى اللون الأحمر القاني ينعكس هذا اللون على كل المساحات الجليدية البيضاء فيعطي انطباعاً بأن اللون الأحمر يصبغ كل شيء من حولك.

وفي تشيلي تجذبك البساطة فالناس يقابلون الأجانب بالابتسامة الصافية والنية الصادقة في خدمتهم دون أية أطماع في مقابل من أي نوع، ولكن سوء الأحوال الجوية وبرودة الطقس معظم أيام السنة لا يسمح بالتجول كثيراً، تسجل انطباعاتك لهذا الشعب أنه متعلم إلى أبعد حد، إذ لا تقف مشكلات الفقر حجر عثرة أمام التعليم، تكاد نسبة الأمية هناك تلامس الصفر، علاوة على الثقافة العامة التي يتمتع بها أغلب الأفراد.

يقول السويدي عن تشيلي: جمال المناطق الجبلية يجعلها من أفضل الأماكن لالتقاط الصور في العالم، فالجبال تكسوها الخضرة في بعض شهور السنة، ثم يغطيها الجليد في شهور أخرى، وعلى الرغم من قصر المدة الزمنية التي قضيتها فيها والتي لم تتجاوز خمسة أيام، أستطيع القول بأنها كانت رحلة موفقة ومفيدة.

بوليفيا كانت مغامرة السويدي التالية، يقول: زرنا واحدة من أهم الآثار هناك، وهي الكنيسة القديمة المعروفة باسم (لاباز) ولفت أنظارنا وجود عدد كبير من الصور التي تجسد رحلة جيفارا التحررية في دول أميركا الجنوبية.

والتي نجدها منتشرة في معظم الأماكن والمدن، كما زرت عدداً من المتاحف التي تضم التراث التاريخي لبوليفيا قديماً وهي مجموعة تستحق المشاهدة، وتضم بوليفيا عدداً كبيراً من المهاجرين أغلبهم من الأسبان.

ونتجه إلى بيرو محطة المغامرة التالية، حيث تمتد شواطئها الساحرة إلى ما يقرب من 4000 كيلومتر، وتتضمن المساحة البرية غابات الأمازون، وتشتهر بإنتاج المعادن المهمة لعمليات الصناعة مثل النحاس، وهي أيضاً تجارة رائجة تسهم بنصيب كبير في الدخل القومي، وتساعد الشواطئ الممتدة على الأنشطة المرتبطة بالصيد وتروج للأطعمة البحرية.

أما منطقة غابات الأمازون الواقعة ضمن حدود بيرو فتعد من أجمل المناطق البكر في العالم حيث لم تمتد إليها الأيادي بالعبث بعد، تجد هناك أنواعا نادرة من الطيور ذات الأصوات الموسيقية الجميلة والحيوانات التي تحيا في بيئتها الطبيعية دون إزعاج البشر.

ومنها ننطلق إلى الأكوادور التي تشعرك بالتآلف السريع مع سكانها المتحضرين، حيث الابتسامة والجدية تجتمعان معاً في طباع أهل العاصمة (كيتو)، أما مدينة (جوايا كيلر) فتعتبر أكبر المدن وأهمها لأنها ميناء ضخم تستخدمه في تصدير المعادن وأهمها البترول، ولعل الحركة السياحية بها أنشط من غيرها بسبب تدفق السائحين إليها من أميركا الشمالية.

ويقومون بالإنفاق مستخدمين الدولار الأميركي، وهو في الوقت نفسه عملة الأكوادور الرسمية. الإمكانات السياحية فيها تشجع على نشاط الحركة حيث لديهم مجموعة من الفنادق والمزارات وتعد خدماتهم السياحية متطورة.

وفي كولومبيا أعجبتني المشاهد المختلفة للمناطق الجبلية، والتي تشتهر بزراعة البن.غير أن التنقل بالسيارة محفوف بالمخاطر، والعصابات هناك لها تخصصات، وأول ما رأيناه لدى وصولنا على الحدود هو ضبط شاحنة كبيرة مملوءة بالمخدرات، فكانت المشكلة الأولى .

حيث التجوال بالسيارة يفرض علينا النوم بداخلها إذا لم نصل للوجهة المقصودة في الموعد المحدد، لأن البلد كلها عبارة عن غابات وجبال، أما المشكلة الأخرى فكانت اللغة التي وقفت عائقا أمام التواصل معهم لأنهم لا يتحدثون الإنجليزية.

كانت المحطة التالية في الرحلة فنزويلا، وقبل الوصول إليها بالسيارة أبلغتنا الشرطة عبر أحد الحواجز أن الطريق مغلق بسبب نشاط إعصار هوجو الذي كان يضرب العاصمة (كاراكاس).

وطال انتظارنا على الحدود إلى يومين حتى غير الإعصار اتجاهه للمكسيك، ومن الغرائب هناك أن تعبئة خزان وقود السيارة ؟ أية سيارة - يكلف فقط دولارا واحدا. قضينا في العاصمة حوالي أسبوع ثم اضطررنا للمغادرة بسبب أعطال السيارة المتكررة واقتراب شهر رمضان الكريم.

الارجنتين تترك ذكريات حميمة

إحدى المحطات التي لا تنسى كانت الأرجنتين وهي أرض شاسعة المساحة بحيث لا ترى نهاية لحدود الأفق، تشتهر بتربية الحيوانات مثل الأبقار والخيول ويهتمون بالزراعة ويعتبرونها من أهم الحرف اليدوية على الإطلاق.

وتأتي رياضة كرة القدم في المرتبة الثانية مباشرة بعد الزراعة في اهتمامات الشعب الأرجنتيني، بينما يحترف سكان المناطق الساحلية صيد وتصنيع الأسماك.

وتنتشر الفنادق الفخمة والخدمات الراقية في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيرس، وعلى الرغم من ارتفاع مستوى الخدمات تجد أسعارها تماثل أسعار العواصم الأخرى، ويلفت نظرك أنها تجمع بين حدودها تشكيلة من المناخات المتنوعة، ففيها مدن باردة الطقس وأخرى صحراوية وثالثة معتدلة، وهكذا.

أما في كولومبيا أعجبتني المشاهد المختلفة للمناطق الجبلية، والتي تشتهر بزراعة البن.

بطاقة هوية

ـ عمر علي عبيد السويدي

ـ من الإمارات ومن مواليد دبي عام 1966

ـ يعمل حالياً بوزارة الدفاع

ـ الحالة الاجتماعية: متزوج ولديه من الأبناء اثنان، حمده الطالبة بالمرحلة الجامعية، وعبد الله الطالب بالثانوية

ـ لاعب كرة قدم سابق بنادي الشباب ما بين1970 إلى 1980

ـ زار 65 دولة ويخطط هذا العام لزيارة 15 دولة إضافية ليصبح المجموع 80 دولة.

* رحلته بدأت من البرازيل ثم الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا وبيرو والإكوادور وكولومبيا وفنزويلا 17200 كيلومتر.

أيمن حجازي