عمره لا يتجاوز 16 عاماً، وهو على بعد عام واحد من التخرج بشهادة الثانوية العامة من مدرسة محمد بن راشد للتعليم الثانوي في دبي..

لكنه وقبل عام مضى، تمكن من اجتياز واحد من أقوى الاختبارات العالمية في مسائل فيزيائية، حيث شارك مع وفد من طلبة الدولة في «أولمبيادلالا» الفيزياء والعلوم الدولية التي أقيمت في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية، بحضور متنافسين من 53 دولة عبر العالم..طالب كوري انفرد بالمركز الأول، وألماني ظفر في الثاني، ومانع الإماراتي ارتقى المركز الثالث قاهراً العديد من منافسيه من دول العالم المتقدم.مانع خالد شاهين الحمادي، يقطن في منطقة البرشاء في دبي، ويدمن الذهاب والإياب بين مدرسته في منطقة الجافلية ومكان سكنه، من خلال رحلة يومية عبر «المترو»، وهو في جانب آخر يعشق الغوص في بحور الفيزياء والرياضيات على وجه التحديد، مثلما يتقن إلى حد الإشباع التميز في مجالات أخرى كثيرة..

وبحكم حس العبقرية الذي يلازمه، وهواية الذكاء الفيزيائي التي يمتلكها، فهو ينتظر السنوات القليلة المتبقية له، حتى يتخرج من الجامعة ويعود حاملاً شهادة الفيزياء النووية، وبها ربما يصبح مانع من أكثر المبدعين في هذا المجال.

الفيزياء النووية

منذ الآن ارتضى مانع لنفسه دراسة الفيزياء النووية، وذلك على الرغم من أن طموحه كان ينحصر سابقاً في هندسة الطيران، حيث يؤكد أنه وبعد استضافة دولة الإمارات لمقر «إرينا».

وبعد قرار إيجاد أول برنامج نووي إماراتي خلال الأعوام المقبلة، فقد وجد أن خيار دراسة الفيزياء النووية واقعاً مناسباً، لكونه يريد منذ اللحظة الأولى أن يظل جندياً وفياً لبلاده، وبحكم تلك المتغيرات، فهو حتماً سيجد ما يحاكي فضوله الإبداعي وتفوقه العلمي والأكاديمي، أملاً في خدمة الوطن.

في أولمبياد كوريا الجنوبية أظهر مانع تألقاً غير متوقع من طالب عربي يقارع عقول غربية ولدت في أحضان التقدم والتعقيد العلمي، وبثقة عالية تأهل بالميدالية البرونزية بين مئات الطلبة على مستوى العالم، وذلك بعد أن أظهر براعة وسرعة وذكاءً وتحدياً في التعامل مع معادلات فيزيائية غير تقليدية، واختبارات معقّدة خُصّصت للطلبة الأذكياء على مستوى العالم..

وبعد أسبوع من التنافس والتحدي والإصرار، أمسك مانع بميدالية عالمية، رافعاً علم بلاده في مناسبة لا يُستهان بها، على الأقل في بلاد الإبداع والتميز الأكاديمي والصناعي.

مسائل معقدة

إلى حد بعيد، يجد مانع متعة لا تبدو طبيعية وهو يداعب بحس الذكاء والموهبة أعقد المسائل الفيزيائية، فمنذ نعومة أظفاره يهوى الطالب الأسطورة دراسة المواد العلمية.

لا سيما الفيزياء والرياضيات، اللتين يعتبرهما «التوأم المتطابق»، وهو لطالما تحفز للإبحار بحثاً عن مكنونات وخفايا هذا التوأم المليء بالأسرار التي ربما يقف عندها أذكياء آخرين.

وكما يعتبر الطالب المتفوق مانع الحمادي، فإن سر تعلقه وتألقه في المواد الدراسية العلمية، يكمن في مواظبته على المذاكرة وعلى البحث في الإنترنت عما يدعم حسه الإبداعي في هذا المجال من مسائل ونظريات فيزيائية معقدة، ناهيك عن كم المسابقات والألمبيادات التي خاضها داخل الدولة وخارجها، وذلك بالإضافة إلى دعم عائلته له.

بحكم موهبته وذكائه الخارق، بدأ مانع دراسة الفيزياء قبل عام من إلزامه في المدرسة، وذلك لأسباب تعود إلى تفوقه وعبقريته الملحوظة في المواد العلمية، وفي الصف العاشر حصل على معدل 99% في مادة الفيزياء، وفي الحادي عشر كانت نتيجته 100%.

وفي المواد الأدبية والعلمية الأخرى يحافظ على درجات قريبة من المائة على الدوام، وهو أيضاً يتربع على عرش التفوق في مجالات كثيرة غير الدارسة الأكاديمية.

مصادر أخرى

ما يستحق الذكر أن مانع شاهين لم يكن يرغب التعامل مع مادة الرياضيات والمواد العلمية الأخرى في البداية، وفي مراحل دراسته المبكرة كان يعتقد أنه لن يتجاوز تخوفه من تلك المواد.

إلا أنه نجح وبشكل قاطع في التغلب على عقدة الخوف تلك، وتمكن من قلب الواقع من هزيمة منتظرة إلى نصر يشار إليه بالبنان، لا سيما وأنه برع سريعاً في التعامل مع مسائل رياضية وفيزيائية معقدة، والسبب أنه لم يركن يوماً إلى ما في الكتاب المدرسي، بل إنه ظل يلجأ إلى مواقع الإنترنت والكتب والمصادر الأخرى لتنمية حس الموهبة والذكاء لديه.

وحينما سطع نجم مانع في كوكب الفيزياء والمواد العلمية عامة، التفت والده إلى موهبة غير طبيعية، ووجده يملك القدرة على فك شيفرات كثيراً من المسائل الرياضية والفيزيائية المعقدة.

فوفر له دورات صقل المواهب العلمية وتدريب خاص في المواد العلمية، ناهيك عن دعم معلميه وإدارة المدرسة له، حيث بادروا إلى ترشيحه للالتحاق بركب الطلبة غير العاديين في المواد الدراسية والعلمية.

تمثيل الدولة

منذ اختياره ضمن فريق من الطلبة الإماراتيين متميز في التعاطي مع المواد العلمية قبل نحو عامين، بدأ مانع الحمادي مشوار التمثيل العلمي والأكاديمي وحتى الشبابي لدولة الإمارات في محافل محلية وإقليمية وعالمية، وهو ما تسبب في غيابه عن المدرسة لأسابيع وربما أكثر.

وحينما يعود إلى الدولة يجد كماً كبيراً من المواد الدراسية قد فاته، فيبقى في صراع مع الزمن للحاق بركب زملائه في مواد عديدة، وهو ما يزيد من صعوبة مهمة تفرغه لرفع اسم الإمارات عالياً في أولمبيادات ومنافسات عالمية.

لا سيما في ظل غياب آلية محددة للتعامل مع هذه الفئة من الطلبة من قبل وزارة التربية والتعليم، خاصة وأنهم يؤدون مهام أكاديمية ووطنية سامية، وذلك الواقع كما يؤكد مانع قد يجبره على الاعتذار عن المشاركة في فعاليات عالمية أخرى.

وذلك على الرغم من ثقته أنه قادر على المنافسة والظفر بمواقع متقدمة في المنافسات العلمية والأكاديمية، من شأنها أن ترفع اسم وعلم الإمارات عالياً.

اهتمام وتحفيز

أمام هذا الواقع، يرى مانع أنه لا بد من منح هذه الفئة من الطلبة مزيداً من الاهتمام والتحفيز للمواصلة والثبات في مقارعة طلبة من مختلف دول العالم، خاصة وأن المسابقات والأولمبيادات العالمية تقام بشكل مستمر في مختلف دول العالم.. ومانع قادر على المنافسة في أكثر من مجال.

حيث سبق له وحصد جوائز وشهادات تقدير عالمية ومحلية تحت مسميات مختلفة، منها الفيزياء والرياضيات واللغة الإنجليزية والحديث الشريف والشعر العربي والرياضة والخطابة، وسواها من المجالات الأخرى.

يأسف مانع لواقع مظلوم، وعلى الرغم من كونه شاباً رياضياً ومتحمساً، إلا أنه يؤكد أن «الاهتمام بهذا الجانب يفوق أي مجال آخر، فحينما تفوق منتخب الشباب لكرة القدم في بطولة كأس العالم الأخيرة، أقيمت الدنيا بأكملها..

أما هو وحينما عاد من كوريا مع فريق الدولة محملاً بميدالية ثمينة، لم يجد أحداً يلتفت إليه، وذلك واقع سلبي وبالتأكيد يحط من عزيمة الآخرين.. أرجو ألا يستمر الحال هكذا».

بيئة عائلية تدعم حس الإبداع والتفوق

يؤكد الطالب المتميز مانع الحمادي أن البيئة التي يعيش في ظلالها قد ألقت منذ البداية بإيجابيات كثيرة على طموح شاب صغير أصبح يملك من الموهبة العلمية ما يضعه في المراتب الأولى عالمياً..

فوالد مانع مهندس ميكانيكي وقد تخرج من بريطانيا منذ سنوات طويلة، ووالدته تحمل شهادة جامعية أخرى وتعمل موظفة في إحدى دوائر دبي الحكومية، وعمه يحمل شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال.

وأقرباء كثيرون آخرون له يحملون شهادات جامعية في تخصصات مختلفة، لذلك وجد مانع - كما يقول- أرضية صلبة للتفوق والمواصلة في مجال الفيزياء والرياضيات وبقية المواد الدراسية الأخرى.

تمثيل وألقاب

إلى جانب مشاركته في أولمبياد العلوم الدولية في كوريا وحصوله على المركز الثالث، يحتفظ مانع الحمادي بعشرات الجوائز والشهادات بفعل مشاركات ونجاحات محلية وإقليمية كثيرة، وقد تألق في تمثيل دولة الإمارات في محافل عديدة، نذكر منها معرض «لابرجيه» لصناعة الطيران في فرنسا.

ودورة تدريبية لإعداد القادة في جزيرة موريشاس، وتمثيل في ملتقى الشباب الخليجي في السعودية، وكان مرشحاً لتمثيل الدولة في أولمبياد الفيزياء في المكسيك وقد ألغيت البعثة لأسباب صحية.

مانع الحائز على لقب عالمي في الفيزياء ورغم عمره الصغير، إلا أنه تمكن من الظفر بألقاب أخرى، منها المركز الأول على مستوى الدولة في أولمبياد اللغة الإنجليزية، والأول على دبي في الحديث النبوي الشريف.

والأول على دبي في الشعر الشعبي، وهو متميز في الخطابة والتمثيل الشبابي في المحافل الدولية، وهو بالتأكيد مشروع عالم كبير يسير إلى فضاء الإبداع بروح قيادية لا تعرف إلا الإصرار.

نقطة الانطلاقة

قبل عامين، وحينما كان مانع يدرس في الصف التاسع، لاحظ معلم مادة العلوم علامات فارقة تميزه عن أقرانه الطلبة، لا سيما فيما يختص بالمسائل الفيزيائية، فبادر إلى اختياره للمشاركة في مسابقة علمية على مستوى الدولة.

وبها تمكن مانع من الظفر بالمركز الثاني، ومن ثم تم اختياره مع مجموعة من الطلبة المتميزين للمشاركة في دورات مغلقة ومكثفة تركز على مواد الفيزياء والكيمياء التي استمرت ستة شهور في كلية الاتصالات في دبي.

وبعد ذلك سافر مانع مع فريق من الطلبة الإماراتيين والمشرفين إلى مدينة بوسان الكورية للمشاركة في أولمبياد العلوم الدولية، وهناك تفوق على طلبة بلاده والطلبة العرب المشاركين.

وتأهل لمنافسة أقوى طلبة العالم، فقهر الأميركي والأوروبي وحجز مقعداً متقدماً على سلم الذكاء العالمي، فرفع علم الإمارات هناك ثم عاد إلى أرض الدولة مقلداً ببرونزية ثمينة.

دبي ـ عنان كتانة