ولية أمر تحمل أوراق انتقال ابنها الطالب في الصف التاسع بعد تعثره في مدرسته الأولى، وتطرق أبواب بعض المدارس الخاصة في دبي والشارقة، علّها تجد من يقبل تسجيل ولدها وذلك على الرغم من أنها لن تبخل في دفع مزيد من الرسوم الدراسية الشاقة..
المشكلة التي تواجهها هي أن ولدها راسب في عدد من المواد الدراسية، ولذلك فقد أصرت على إخفاء شهادته الدراسية عن إدارات المدارس الأخرى «لعل وعسى» تقنع إحداها بقبول ولدها.خاصة وأن المدارس هذه الأيام تتشدد في قبول الطلبة ضعيفي المستوى وتبحث عن طلبة متميزين، يمكن أن يساهموا في رفع سمعة المدرسة عالياً وبالتالي حصد مزيد من النجاحات التجارية، كما تؤكد الأم.تلك الحالة أكدها نبيل محمود وهو ولي أمر، حيث يقول إن إدارة المدرسة التي كان يدرس بها ولده أجبرته على نقله إلى مدرسة أخرى لكون الابن ظل يرسب في عدد من المواد الدراسية، وأن طاقة المدرسة تعجز عن تحمل المزيد، وبالتالي لا بد أن يجد له مخرجاً آخر في إحدى المدارس الخاصة في دبي.
نبيل أكد أنه ظل يبحث عن مكان لولده في عدد من المدارس الخاصة، وحينما يطلع المدير على نتيجته في السنة الماضية يقول «سنتصل بك لاحقاً إن وجد مقعد لولدك»، وظلت الأمور تسير على هذا المنوال لأيام وفي مدارس متعددة>
قبل أن يجد مدرسة متواضعة تأوي ولده الضعيف «فقط دراسياً»، وتلك الحالة كما يوضح ولي الأمر تبعث على الاستياء لأن كثيراً من المدارس الخاصة على ما يبدو أصبح يتحرى الصفة التجارية في مختلف تعاملاته، وفي ظل هذا الواقع من الممكن أن تمسي المسؤولية التربوية والأخلاقية عما قريب في خبر كان.
حالة مؤكدة
تلك الحالة أكدها الدكتور عبدالرحمن عيسى مدير مدرسة الحصن الخاصة في دبي، الذي أضاف أن ولية أمر جاءته وفي عينيها دمعة ألم لكونها لم تجد مدرسة تقبل ولدها الراسب، وأنها لجأت إلى إخفاء شهادة الابن عنه والإدعاء أنها ضاعت أملاً في تسجيل ولدها.
وحينما أخبرها عيسى أن ولدها مسجل في المدرسة مهما كانت نتيجته السابقة، ولكنه يريد النتيجة للاطلاع على مستواه من أجل تشخيص حالته الأكاديمية وفعل اللازم له، اضطرت إلى إخراج الشهادة والاعتذار عن تصرفها.
الذي أصبح معتاداً من كثير من أولياء الأمور في ظل تسابق العديد من المدارس الخاصة على احتضان الطلبة المتميزين والتخلص من ضعاف المستوى، بحسب ما يضيف مدير المدرسة.
عيسى ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن فكرة الإعلان عن أوائل الثانوية في الصحف، أو حتى إعفاء المتميزين من الرسوم الدراسية التي أمست العديد من المدارس الخاصة تمارسها، هي تصرف مرفوض أكاديمياً وتربوياً.
وتلك الإعفاءات تبدو مبطنة بأهداف تجارية وغير تربوية، مستنداً إلى مبدأ أن الإعفاء لا بد أن يطال الطلبة ميسوري الحال والفقراء، وهم الأولى بالمساعدة، لا أن تلجأ المدارس الخاصة إلى إعفاء المتميزين لأهداف الكل أصبح يعلمها.
الباب مفتوح
أما إبراهيم بركة مدير مدرسة الشعلة الخاصة في الشارقة، فقد نفى أن تكون مدرسته مهتمة بالمتميزين على حساب الطلبة ضعاف المستوى، وذلك على الرغم من سعيه الدائم منذ سنوات طويلة إلى تكريم المتميزين وإعفائهم من الرسوم المدرسية كنوع من التحفيز.
لافتاً إلى أنه لا توجد أية شروط أو ضوابط لقبول الطلبة والباب مفتوح للجميع، وأبعد من ذلك فإن مدرسته كانت من أوائل المدارس الخاصة التي فتحت الباب للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي تقدم دروس تقوية ووسائل دعم ومساندة للطلبة ضعاف المستوى.
وبالتالي فإن هدفها الأول والأخير تربوي وأكاديمي نابع من الأمانة المهنية والالتزام الديني والمجتمعي تجاه الجميع. وأكد بركة أنه وعلى الرغم من إنفاقه ملايين الدراهم لتكريم الطلبة المتفوقين في مختلف الصفوف، إلا أنه يحرص على أن يظل نهجه التحفيزي محصوراً بأهداف تربوية وأخلاقية.
وقد وجد لحفز الطلبة على التميز والارتقاء بواقعهم الدراسي، مشيراً إلى أنه لا ينكر رغبته في أن يرتبط اسم المدرسة بنتائج متميزة، ولكن يظل ذلك ضمن منظور تربوي بعيد عن النزعة التجارية.
ويؤمن بركة بأن الطلبة ضعاف المستوى أمسوا في حاجة أكثر إلحاحاً للنهوض بواقعهم، خاصة وأن مدارس خاصة بدأت في وضع حدود وضوابط لقبول الطلبة، وهو ما يكون على حساب الطالب الضعيف، وذلك تصرف يبتعد نسبياً عن الصيغة التربوية، إذ من الواجب أن تظل أبواب المدرسة مفتوحة ومتاحة للجميع ودون تمييز.
لكون أن الطالب يجب أن يعامل كابن للمعلم ولمدير المدرسة، موضحاً أن مدرسته ليست مدرسة للنخبة، وهو يرفض مبدأ الانتقاء وبالتالي التفريق بين الطلبة وهو ما يزيد من مأساة الطالب الضعيف.
لا تفرقة في القبول
أما الدكتور محمد روبين إدريس المدير العام للمدارس الأهلية الخيرية الخاصة في دبي، فقد أكد أن مدرسته وجدت في الأصل لتظل نصيرة للضعفاء، وأنها لا تفرق في القبول بين الطالب الضعيف أو المتوسط أو المتميز.
وهي في كل عام تخرج أوائل كثيرين على مستوى الدولة، لافتاً إلى أن فكرة الإعلان عن الأوائل في الصحف ووسائل الإعلام، تعتبر من وجهة نظره نوعاً من المباهاة والإعلان الخادع للمجتمع، فالأهم من كل ذلك يكمن في واقع البرامج الأكاديمية وطرق التدريس المتبعة في كل مدرسة.
حيث من المحتمل أن ينتقل الطالب المتميز إلى مدرسة في سنوات متأخرة ويحصد فيها نتيجة متقدمة في الثانوية، وذلك الطالب ربما يكون تأسس في مدرسة أخرى. وأكد إدريس أن مدرسته ليست مدرسة ربحية، فكل ما يأتيها من الأقساط المتواضعة ينفق عليها، موضحاً أنه يرفض فكرة الإعلان عن الأوائل في وسائل الإعلام.
لكون أن تلك الخطوة قد تأتي على حساب الجانب الأكاديمي، وأنه من الأجدى أن يجد الطالب المتميز موقعاً تكريماً يليق به من قبل وسائل الإعلام نفسها، لا أن تنشر صورته تحت اسم وشعار عريض للمدرسة التي ينتمي إليها، لأن من وراء ذلك قصد تجاري، كما يحسب الكثيرون.
فكرة مرفوضة
على الرغم من أن إدارة المدارس الأهلية الخيرية قد أعلنت قبل عامين عن أسماء طلبتها المتفوقين في الثانوية في إحدى الصحف، إلا أن مديرها الدكتور محمد إدريس يرفض تكرار ذلك.
حيث يقول إنه خضع في السابق لرغبات أولياء الأمور، وقد وجد تلك الخطوة غير مجدية تربوياً ومهنياً، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن مدرسته تعفي الطلبة المتفوقين في الثانوية العامة من الرسوم، وتعفي في المقابل آلاف الطلبة الفقراء والميسورين، حيث أن نحو 3 آلاف من أصل 10 آلاف طالب وطالبة يحصلون سنوياً على إعفاءات من الرسوم الدراسية بنسب متفاوتة، ومعظمهم بنسبة 100%.
تحفيز وقدوة
أشار إبراهيم بركة إلى أن مدرسة الشعلة أنفقت على مدار 18 عاماً متواصلة ما يزيد على 5,3 ملايين درهم على شكل إعفاءات للطلبة المتميزين في الثانوية العامة، ومبلغ مماثل للطلبة الأوائل في صفوف النقل.
وإلى الآن تم إعفاء أكثر من 500 طالب ثانوية من بين 3 آلاف طالب وطالبة تخرجوا من مدرسته، حيث أن طالب الثانوية الذي يحصل على نتيجة 95% فما فوق يسترجع رسوم الدراسة كاملة، والطالب الذي يحصل على 90% فما فوق يظفر بنصفها، وذلك نهج تحفيزي معلن ومتبع في مدرسة الشعلة منذ سنوات طويلة وقد أصبحت تتبعه مدارس أخرى كثيرة في الدولة.
ميثاق شرف شفهي لعدم التفريق بين الطلبة
تطرق تربويون إلى أنه من حق المدرسة الخاصة ألا تقبل طالباً مؤذياً ومعروف عنه افتعاله للمشكلات السلوكية أو الأخلاقية مثلاً، لكن أن تضع شروطاً واختبارات أكاديمية وعلمية لتحديد المستوى وقبول أو رفض الطلبة فذلك أمر غير تربوي، إذ أن المدرسة وجدت لتحتضن الجميع.
لا أن تكون نخبوية ولفئة محدودة من الطلبة، موضحين أن الواقع يستدعي من الجهات المعنية جمع المديرين على ميثاق شرف شفهي من أجل عدم التفريق في قبول وتسجيل الطلبة في المدارس المختلفة، لا سيما وأن المدرسة تظل الجهة المسؤولة أولاً وأخيراً عن تعليم الجميع، بغض النظر عن مستوياتهم.
وللأسف كما يؤكد العديد من التربويين فقد أصبح الطالب الضعيف محاطاً بالكثير من الصعوبات والتحديات في زمننا التربوي المنقوص، لا سيما وهو يلمس اهتمام جهات كثيرة بالطالب المتميز على حساب الضعيف.
وليس آخرها ما تقوم به مدارس خاصة من تكريم ودعم وإعفاء من الرسوم لطلبة يتفوقون، فيما الطالب الضعيف لا يزال يعاني كما توضح شواهد كثيرة.
دبي ـ عنان كتانة

