لم تكن تدرك أم محمد بأن بيتها الذي بنته وزوجها حجراً بحجر سيتحول إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في وجهها وأبنائها يوما ما، فقد كانت تظن بأن الحب وحده سيتكفل بإبقاء جدران البيت قائمة.

ففي ذات يوم وبعد أن خرج أبناؤها إلى وجهاتهم المختلفة، فوجئت بصوت يشبه الرعد يهز أركان بيتها ولم تكن تعرف من أين أتى، ولكنها كانت متأكدة أنه داخل البيت، ورغم ما اعتراها من خوف إلا أنها حاولت جاهدة البحث عن مصدر الصوت، لتفاجأ بقطع من الاسمنت وقد سقطت أرضاً في إحدى غرف البيت لتشكل إنذاراً أولياً لعائلة أم محمد بضرورة إخلاء البيت على الفور.

وقفت أم محمد مذهولة أمام المنظر الذي رأته ليبدأ لسانها ودون شعور منها يلهج بذكر الرحمن ويحمده على أنها لم تقع على أحد أفراد عائلتها، لم تحاول أم محمد الصراخ وإنما فضلت أن تصلي ركعتي شكر لله تحمده على ما وقع وتشكو إليه مصابها.

خاصة وأنه لم تنقضِ سوى أشهر قليلة على آخر صيانة للبيت، ولكن لسان حالها يقول «قدر الله وما شاء فعل»، في تلك اللحظات لم يكن باستطاعتها أن تفعل شيئا سوى الاتصال بابنها وإعلامه بما حدث.

ليترك هو الآخر عمله فزعا ويهرع للاطمئنان على والدته فقد تعبت كثيرا في تربيته وتنشئته بعد وفاة والده. لم يمر وقت طويل على وصول ابنها الذي حضن والدته بشدة وبادرها بالسؤال عن صحتها، لتطمئنه بأنها بخير وبصحة جيدة، ولكن البيت ليس كذلك، توجه محمد ليتفقد ما حدث.

وما هي إلا لحظات حتى اجتمع الجيران في بيت أم محمد الذي اعتاد على جمع الجميع بين أحضانه، ليشيع بينهم المحبة.لم يكن أمام أم محمد وأسرتها طريق سوى إخلاء البيت فورا خشية من تكرار التصدع ووقوع قطع أسمنتية أخرى، فالجرة لا تسلم في كل مرة.

حاول أبناء أم محمد الاتصال بالبلدية وفرق الطوارئ الذين هرعوا لمعاينة البيت، ليجمع الجميع على ضرورة إخلاء البيت الذي يعتبر في المعايير الهندسية قديماً ويحتاج إلى الإحلال بسبب الصدأ الذي أصاب حديد البيت وأعمدته.

لم يكن القرار هيناً على أم محمد التي أفنت جل عمرها بين جدران البيت، ففيه ما زالت تحتضن ذكريات عديدة وضحكات طالما جلجلت فيه، وفيه أنجبت أولادها وتولت تربيتهم، وفيه استطاع أبناؤها تحقيق النجاح، حاولت بسرعة أن تلملم أشياءها تمهيداً لأن تودع بيتها الذي عاشت فيه أجمل لحظات حياتها مع زوجها المتوفى، في غضون ذلك حاولت أن تودع البيت بعينيها والدموع تحرقها.

توجهت أم محمد لتعيش في إحدى الشقق الصغيرة، ورغم اتساعها وطلتها الجميلة إلا أنها كانت تشعر بأنها تضيق عليها، فقد اعتادت طوال عمرها على بيت شعبي واسع، تلعب في أرجائه نسمات الهواء الطرية، في بيتها الجديد شعرت أم محمد بأنها قد فقدت جزءاً من روحها وجيرانها القدامى الذين شاركتهم الحلو والمر في حياتهم.

غسان خروب