يكتم أنفاسه وهو يلقي ببدنه غائصا إلى الأعماق، تجول عيناه فاحصة لا عن وحوش الأعماق المؤكدة وإنما عن محارة خصبة، يندفع تاركا بدنه للمياه المالحة الكثيفة فوقه، بينما تتراقص أنظاره يمنة ويسرة بحدة ودقة تنافس الوقت المسلط على الروح قبيل اهتزاز الحبل. يغوص البحار غير مبال بمخاطر المجهول وهي تحاصره وتفصله عن الهواء والضوء.

تلوح محارة تلتقطها يداه المعروقة والمحروقة من اثر الحبال.. والملح، ومن اثر الفلج. كم مرة أعاد الغواص الكرة نحو الأعماق! كم مرة كتم الأنفاس! وكم مرة عنه.. تقطعت الحبال! كم مرة ذهب الرجال من أجل لؤلؤة تضعها امرأة على جيدها زينة تتباهى ببريقها وما عادوا من الغياب! هم كذلك..

أولئك المجندون تحت الماء لطلب الرزق من مجاهل أعماق البحار الواسعة، حين يكون الرزق قطرات من مطر ربيعي تلتقمها الصدفات الرخوية في لحظة قدرية نادرة، يكون السعي إليه نقش على الماء بماء العيون ونور البصر.

هو الأمس وقد ركض مسرعا أمام البحارة، تاركا بعضهم في الأعماق فوق سطح البحر وبعضهم فوق الأرض بعدما استنزف قوة أبدانهم الصلبة، لم يتوقف لم ينتظر..

لكنه حمل اللآلئ في عينيه ومضى بها، حصيلة فريدة وخالصة تكومت على قماش ساتاني احمر بل حريري يترفق بجسمها الثمين، ويحيطها بعناية وحنو ويحفظها بعيدا..

بعيدا عن متناول الأنامل حتى لو كانت أنامل ناعمة، وفاء لمعاناة الغواص بالأمس وتذكارا لمهمة قاتلة فقط من أجل الجمال.

فاطمة الهديدي