تحتدم الآن حرب طاحنة بين طرفين يابانيين غريبين، على امتداد ساحة الريف البريطاني، وسط حركة رصد، يواكبها الحماس، من جانب أعداد كبيرة من المعنيين بالحدائق البريطانية والباحثين بشؤونها والمتأثرين باقتصاديات منتجاتها، الذين عانوا من متاعب جمة على يد أحد طرفي هذه الحرب، على امتداد قرن من الزمان على الأقل.
وأصل الحكاية أنه في القرن التاسع عشر استورد البريطانيون من اليابان عشبا يعرف باسم عصا الراعي، وذلك للاستفادة منه كنبات يستخدم لأغراض الزينة، ولكن هذا النبات الذي يوحي مظهره بالبراءة الشديدة، سرعان ما تحول إلى لعنة ألقت بظلالها على حياة كل من له صلة بالحدائق وبالريف البريطاني بشكل عام.
ففي غياب أي عدو طبيعي لهذا العشب سرعان ما نما وتمدد وخرج عن كل محاولات السيطرة عليه، بأي شكل من الأشكال، واكتسح الحياة البرية المحيطة به، بل ودمر المباني، وسببت الأنواع العدوانية منه، التي يمكنها النمو إلى ارتفاع 13 قدما واختراق الأسمنت المسلح، أضرارا فادحة تقدر بحوالي 150 مليون جنيه استرليني سنويا.
ما العمل؟ ما الذي يمكن القيام به للتصدي لنبات شرس وعدواني على هذا النحو؟ وهل يمكن التوصل إلى عدو طبيعي يحد من ضراوته؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير ظلت تؤرق الكثيرين من المعنيين بهذه القضية في بريطانيا وخارجها، من دون أن تبدو في الأفق إمكانية حل هذه المشكلة.
حاول البستانيون البريطانيون حرمان هذا العشب من الماء، وغمروه بالمواد المخصصة لقتل الأعشاب، بل وعمدوا إلى انتزاعه من الأرض يدويا، ولكن مامن وسيلة برهنت على فعاليتها في التصدي لهذا العدو صعب المراس، حتى الآن.
وسط هذا اليأس في حياة البستانيين البريطانيين بزغ أمل، اسمه برغوث العشب، وهو عبارة عن حشرة يابانية صغيرة للغاية، حيث لا يتجاوز حجمها حبة الرمل، تبين أنها يمكنها أن تودي بعشب عصا الراعي، في غضون أسابيع قلائل.
وسيتم استيرادها من اليابان ونشرها على امتداد مواقع عدة في بريطانيا، لتؤدي مهمتها، وهي القفز على عشب عصا الراعي ووضع بيضها عليه، وعندما يفقس البيض تقوم اليرقانات بامتصاص النسغ من العشب العتيد.
وسيكون إدخال هذه الحشرة بمثابة المرة الأولى التي يتم فيها استخدام السيطرة البيولوجية في أوروبا، أي استخدام العدو الطبيعي لكائن للسيطرة عليه، للتحكم في العشب.
غير أن هذا الأسلوب تم توظيفه في مناطق أخرى من العالم، مما أدى إلى نتائج متباينة، فعلى سبيل المثال أدخلت استراليا حلجوم القصب للسيطرة على خنفساء القصب، ولكن ذلك أدى إلى قضاء الحلجوم على أنواع أخرى من الحياة البرية، ولكن إدخال أنواع معينة من الأمراض برهن على نجاحه في السيطرة على اعداد الأرانب الأوروبية.
وفي غضون ذلك، أكدت دائرة البيئة والغذاء وشؤون الريف البريطانية أن فحوصات شاملة أجريت على 100 نوع من النباتات والمحاصيل البريطانية، للتأكد من أنها لن تصبح بدورها طريدة للحشرة اليابانية المستوردة.
وقال هيو إرانكا ديفز، وزير البيئة الحياة البرية البريطاني، إن هذا المشروع الرائد يقدم أملا حقيقيا للبستانيين، بعد سنوات طويلة من المعاناة، وأضاف: «إن هذه الحشرات الصغيرة، التي تعيش بصورة طبيعية على عشب عصا الراعي الياباني، ستساعد في تخليص السلطات المحلية والصناعة من النفقات الباهظة للتخلص من هذا النبات المدمر».
وقال إيان نيكولسن، رئيس دائرة البيئة والمحافظة في مؤسسة المهندسين المدنيين إن هذا العشب يعد مشكلة معقدة بصفة خاصة بالنسبة للبنائين في المناطق التي يجتاحها النبات، مثل العديد من مواقع البناء المخصصة لأولمبياد لندن.
ويشير دعاة حماية البيئة، في غضون ذلك، إلى أن بريطانيا تعاني من أنواع عديدة من الكائنات العدوانية، مثل السناجب الرمادية، ولكنها لم تلجأ من قبل قط إلى أسلوب السيطرة الحيوية لمعالجة مثل هذه المشكلات.
