خلف هذا الوجه الأنثوي الناعم، تبرز قسمات المناضلة الفلسطينية، ليلى خالد، الذي قضّت صاحبته مضاجع أعتى أجهزة المخابرات في العالم وعلى رأسها جهاز الموساد الإسرائيلي.
ففيه يقبع كائن بشري رقيق دفعه جور قوى عالمية استعمارية غاشمة، إلى السير على دروب كفاح مرير، في سبيل رد المظالم وإرجاع البسمة إلى شفاه أطفال باتوا بلا مدارس، إثر مؤامرة دولية دنيئة أبطالها قوى الاستعمار العالمية، والحركة الصهيونية، الذين تمكنوا في غفلة عن الزمن من اقتلاع شعب من أرضه، وإحلال كيان سرطاني غاصب مكانه.
من رحم تلك القضية ولدت مناضلة، امتزجت سيرتها بالبطولة الأسطورية والعنفوان الثوري، سرعان ما ذاع صيتها حول العالم باسم ليلى خالد، فقد التحقت بالثورة الفلسطينية منذ نعومة أظفارها، وانضمت إلى حركة القوميين العرب التي أسسها المناضل الكبير الراحل جورج حبش، والتي أصبحت تعرف منذ عام 1967 باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفي بداية عام 1969 التحقت بمعسكرات تدريب تابعة للجبهة الشعبية في الأردن. اشتهرت ليلى في ستينات وسبعينات القرن الماضي، بعمليات خطف الطائرات لاسيما التابعة لشركة طيران العال الإسرائيلية، وذلك بهدف تحقيق أهداف وطنية عليا، من بينها إخراج معتقلين فلسطينيين، من غياهب سجون الكيان الصهيوني.
إحدى أشهر عمليات خطف الطائرات تلك، تمثلت في خطف ثلاث طائرات دفعة واحدة في 6 سبتمبر 1970، بعد أن خضعت لعملية جراحية تجميلية لتغيير ملامحها. وانتهت العملية باستشهاد شريكها في العملية المناضل الأممي النيكاراغوي باتريك أرغويلو بإطلاق الرصاص عليه، بينما وقعت هي أسيرة قوى الأمن البريطانية «سكوتلانديارد» وقام رفاقها بعد ذلك بخطف طائرة أميركية للضغط من أجل إطلاق سراحها.
وقد تم ذلك بالفعل في عملية تبادل للأسرى في الأول من أكتوبر من العام نفسه. ومنذ ذلك الحين تخلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن شهرة ليلى خالد التي لم تأت عبر العمل العسكري فحسب، بل خاضت غمار الكفاح على جبهة أخرى، هي العمل النسائي، إذ تعتبر إحدى الرائدات في ميدان الحركة الفلسطينية والعربية والعالمية.
خلف وجه المناضلة تلك، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، تقبع امرأة ككل النساء، بسيطة ومتفائلة ومتواضعة يظلل المرح محياها. سيدة تخالجها مشاعر الإنسانية والأمومة، فهي تعيش الآن مع زوجها الطبيب والكاتب فايز رشيد في عمان إلى جانب ابنيهما.
وهي أم بكل ما تحمله الكلمة من معان، كأي أم وربة منزل، تقوم بأعمال الطبخ والتنظيف والأمور المنزلية كافة، وتتشارك وزوجها القراءة، حيث يقرآن معاً ويتناقشان حول مختلف القضايا الفكرية والثقافية والفنية والحياتية.
حياة ليلى خالد لم تكن معبدة بالورود، بل كانت تغص بالأشواك والتعقيدات التي فُرضت عليها بسبب الاحتلال الصهيوني لوطنها فلسطين، فلا أحد يرغب في أن يعيش كل تلك الصعوبات التي واجهتها ليلى خالد في مسيرتها الممتدة بامتداد القضية الفلسطينية، لكن الجميع يفخر بها كمناضلة، وبمسيرة حياتها ويقف إجلالاً واحتراماً لها، طالما تمنت أن تقدم روحها رخيصة فداء الوطن.
باسل أبوحمدة

