«تظاهرة فلسطين» التي أطلقها المركز الثقافي الألماني في دمشق «غوته» واحدة من المبادرات التي تسترعي الانتباه حقاً، فقد استهل المركز أنشطته هذا العام بمجموعة من الفعاليات الفنية غايتها التضامن مع الشعب الفلسطيني.
وإدانة سياسة الفصل العنصري التي تتبعها إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية، والتأكيد على أن جدار العزل سوف يسقط ذات يوم مثله مثل جدار برلين وأي جدار آخر أُقيم على أنقاض الشرعية الدولية وحق الإنسان في حياة طبيعية آمنة.
اكتست الفعاليات بطابع توثيقي، وافتُتحت بالمعرض الضوئي «نحن/هم خلف الجدار» للمصوّر الفوتوغرافي البرليني بيتر ريدلينغر، وفي المعرض رصد الفنان المتغيرات التي أخذت تطرأ على مدينة القدس وضواحيها منذ عام 2000 وحتى العام 2008 بسبب العزل التدريجي للمناطق العربية.
حيث عكست عدسته المرهفة مأساة فلسطين الإنسانية بصدق ودون تجميل، فقد وثّق المعابر ونقاط التفتيش والطرق المؤدية إلى المستوطنات السكنية الصهيونية اللاشرعية في الضفة الغربية، كما صوّر واقع القرى العربية المتضررة من جراء الجدار وحرّاسه من الجيش الإسرائيلي، وركز اهتمامه على منطقة أبو ديس، لافتاً نظر المشاهد إلى إعادة رسم خريطة فلسطين عبر الاحتلال.
في ذات السياق أقام مركز غوته تظاهرة «أفلام عن فلسطين» وشملت التظاهرة خمسة أفلام تسجيلية، تناولت المأساة الفلسطينية من وجهات نظر عدة تتعلق بقضايا الاحتلال والتهجير والعزل والبحث عن الهوية، وبدأت التظاهرة بالفيلم الوثائقي «فلسطين-تاريخ شعب» للمخرج العراقي قيس الزبيدي، والفيلم بالأبيض والأسود ومن إنتاج عام 1984.
وخلال قرابة الساعتين يتكئ المخرج على صوت المعلّق، وعلى أرشيف أفلام أخرى ومواد نادرة بعضها لم يعرض من قبل، حيث يتناول مأساة الشعب الفلسطيني في مسارين مترابطين، يبدأ الأول بتاريخ الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بال وحتى قيام إسرائيل، مروراً بوعد بلفور وهجرة اليهود إلى فلسطين ومجازر الهاغانا خلال الحربين العالميتين.
وصولاً إلى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، ويستعرض المسار الآخر مقاومة الشعب الفلسطيني بدءاً من المقاومة السلمية ثم ثورة القسّام، وصولاً إلى انطلاقة منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف الدولي بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
العرض الثاني كان فيلم «سلام يا بلدي» (2008، 75 دقيقة، بالعربية والالمانية)، ويدور حول فكرة بحث الفلسطينيين المهجّرين عن الجذور والهوية من خلال شابتين فلسطينيتين تربتا في ألمانيا تذهبان إلى الضفة الغربية للبحث عن جذورهما.
وهناك تعيشان تجربة الاضطهاد من قبل الجنود الإسرائيليين في نقاط التفتيش، تشاركان في إحدى المظاهرات في الضفة، وتلتقيان بالكثير من الفلسطينيين الذين يشرحون عن كثب المعاناة اليومية في ظل الاحتلال ومشكلة الشرق الأوسط.
الفيلم الثالث «صباح الخير قلقيليا» للمخرجة الفلسطينية الشابة ديمة أبو غوش (2004، 25دقيقة) ويتناول حياة الفلسطينيين في ظل جدار العزل من خلال حديث السكان عن واقعهم المعيشي اليومي، كيف تم تقسيم العوائل والأراضي إلى مناطق معزولة عن بعضها البعض.
بحيث تعذّر ذهاب الأطفال إلى مدارسهم، وتضررت الحركة التجارية وتراجع الاقتصاد، وازدادت نسب البطالة، هذا إلى جانب المضايقات اليومية التي يتعرض لها السكان من قبل جيش الاحتلال أثناء عبور المنافذ ما بين منطقة وأخرى، أو أثناء عمليات تفتيش المنازل.
وحول نفس الموضوع جاء فيلم «قصص من خلف الجدار» إنتاج وزارة الصحة الفلسطينية عام 2006، (24 دقيقة) لكن الفيلم سلط الضوء على وضع المرأة والاضطهاد المزدوج الذي تعانيه بسبب بطالة الزوج وتعذّر الحركة بين منطقة وأخرى.
كما ركز على حركات الاحتجاج التي ترافقت مع إقامة الجدار، سواء تلك التي قام بها مواطنون أجانب قدموا إلى فلسطين تعبيراً عن الرفض، أو تلك التي أتت من قبل الفلسطينيين كملء الجدار برسوم تعكس الرغبة في فلسطين حرة، ليختم فصوله بقرار محكمة العدل الدولية المتضمن إدانة الجدار من الناحية القانونية.
الفيلم الأخير للمخرجة آنة ماري ياسير «ملح هذا البحر» (2008، 109د)، وهو يدور أيضاً حول فكرة البحث عن الجذور، حيث تسافر ثريا المولودة في نيويورك إلى موطنها الأصلي فلسطين للمرة الأولى بعد أن بلغت الثامنة والعشرين من عمرها.
لتصطدم بواقع الاحتلال وسياسات طمس الهوية، وبنهاية الفيلم اختتمت هذه التظاهرة فعالياتها وكانت بمثابة نداء للتضامن مع الشعب الفلسطيني وإبراز همومه المتعددة الأوجه والمستويات في ظل الاحتلال والعزل وممارسات القمع اليومية.
دمشق - تهامة الجندي
