يبدو أن الحصول على وظيفة في زماننا قد أصبح ضرباً من المستحيل في ظل الأزمة المالية التي غطت جميع دول العالم من دون استثناء، لتترك بيننا أناس لا يحلمون في ليلهم الطويل سوى بالوظيفة، خاصة بعد أن وجدوا أنفسهم بعد سنوات من الخبرة في طابور المستغنى عنهم من الشركات.

ومن دون شك فإن الباحث عن الوظيفة يتحول في لحظة إلى ما يشبه الغريق في وسط الماء حيث يتعلق بأي قشة قد تصادفه، لتتحول الكثير من الوظائف التي تنشر في الصحف بالنسبة للبعض إلى أشبه بقشة الغريق، ولكن يبقى هناك ما يضيع هذه القشة ليغرق الباحث عنها.

هكذا يبدو حال أحمد الذي تحول في غمضة عين إلى أحد ضحايا الأزمة المالية، فكانت أولى خطوات شد الحزام التي قامت بها شركته أن استغنت عن عدد كبير من طاقمها لتتركهم بمواجهة من احترفوا النصب على الآخرين واتخذوه مهنة لهم.

يقول أحمد: مع هبوب رياح الأزمة المالية وجدت نفسي في البيت دون عمل، لم أتمكن من تحمل ذلك في ظل كم الالتزامات المالية الضخمة الملقاة على عاتقي، كأجرة البيت والأكل والشرب وأقساط السيارة وبطاقات الائتمان، فأنا كغيري وقعت في بئر من الديون البنكية التي أخذت تلاحقني في كل مكان حتى في نومي.

الخيارات كانت محدودة أمام أحمد، فلا مجال لطرق أبواب الشركات التي تحاول جاهدة تخفيض عدد موظفيها، ولم يجد أمامه سوى ملاحق بعض الصحف خاصة الانجليزية منها ليطرق أبوابها ويفتش بين إعلاناتها عن وظيفة تناسبه مهما كان راتبها الشهري، فهو لا يبحث عن الرفاهية إنما عن شيء يحميه من ذل السؤال.

توالت الأيام وتقلبت على أحمد الذي اعتاد أن يقنع نفسه بأن الفرصة ستتاح له في اليوم التالي، وبقي كذلك حتى وجد يوما ما إعلاناً يقول: «هل تبحث عن وظيفة مضمونة في مجال خبرتك، أرسل سيرتك الذاتية على بريدنا الالكتروني ... أو سلمها مباشرة إلى مندوبينا في مكاتبنا على العنوان التالي ...». للوهلة الأولى شعر أحمد بأن طاقة الفرج قد فتحت له، وانه اقترب كثيرا من عتبة الوظيفة.

في اليوم التالي، نفض أحمد غبار النوم عن عينيه مبكرا، وبدأ الاستعداد لزيارة مندوبي تلك الشركة، وبالفعل وصل إلى العنوان المطلوب، لم يكن هناك ما يثير الشك في نفسه، خاصة وأن البرج الذي تسكنه الشركة يبدو فخما. بعد دخوله إلى المبنى أول خطوة قام بها هي تفقد العنوان على لافتة الشركة المعلقة على احد جدران المدخل الرئيسي للبرج.

وقد وجده وما هي إلا لحظات حتى كان في قلب المكتب، لتستقبله فتاة حسنة المظهر يعلو وجهها ابتسامة عريضة وبدأت ببعض الكلمات الانجليزية الترحيب به، وحاولت أن تتأكد منه إذا كان قد جاء بناء على الإعلان أم لا، فأجابها بنعم، لتقول له حسنا، تفضل إلى جهاز الكمبيوتر لإدخال بياناتك كاملة راجية منه ترك رقمه الجوال للتواصل معه.

قبل أن يبدأ بإدخال بياناته طلبت منه السكرتيرة دفع مبلغ مالي زهيد لا يتجاوز ال 200 درهم بدل خدمات، وافق أحمد على ذلك وما أن انتهى حتى بادرته بالقول شكرا لزيارتك وإدخالك لبياناتك، واعتبر انك أصبحت موظفا وانتظر اتصالنا في غضون أسبوع واحد، وودعته على ذلك. حتى اللحظة لم يكن هناك ما يثير الشك.

خاصة وأن زوار الشركة كانوا كثراً، وجلهم كأحمد يبحثون عن وظائف لهم، مر أسبوع واثنان ولم يتلق أحمد أو غيره أي اتصال سواء من شركة التوظيف أو من غيرها، وحاول أن يتصل بالشركة ولكن لا حياة لمن تنادي، فقرر زيارة مقر الشركة ولكنه لم يجده في ذات العنوان وكأن الأرض انشقت وبلعته، وللوهلة الأولى ظن بأنه أضاع العنوان ولكن كل شيء هناك يؤكد بأنه صحيح، ليدرك بأنه وقع ضحية للنصب، ليضيع منه ماله ووقته.

غسان خروب