في الجلسة الأخيرة للمجلس الوطني الاتحادي، تفاعل المسؤولون والأعضاء مع قضية تعثر خريجي الإعلام المواطنين للعمل في المؤسسات الإعلامية المتعددة داخل الدولة، حيث أكدت الدكتورة أمل القبيسي أن نسبة المواطنين العاملين في الإعلام المرئي والمسموع 8,17%، وفي المقروء 10%، وأن أغلب المناصب القيادية في المؤسسات الإعلامية لغير المواطنين، وذلك - بحسب رأيها- يفرض على المسؤولين تحديد نسب توطين مطمئنة ومسايرة للواقع.
وتحدثت القبيسي عن عجز المجلس الوطني للإعلام عن توفير الحماية للصحافيين داخل المؤسسات الإعلامية، ولذلك فإن تلك المؤسسات أصبحت بيئة طاردة وتهمش المواطنين، مع الإشارة إلى ظاهرة إحالة المواطنين في المؤسسات الإعلامية للتقاعد في وقت مبكر.تلك المؤشرات أثارت عدداً من الردود والتعليقات لدى بعض الجهات المعنية، خاصة في ظل وجود نحو 300 خريج مواطن يحملون شهادات جامعية في مختلف التخصصات الإعلامية، وهم المسجلون لدى «تنمية»، وذلك العدد يطرح بالتأكيد تساؤلات كثيرة حول مستقبل هؤلاء الخريجين، خاصة في ظل الحراك الوظيفي والمهني الإيجابي الذي تشهده دبي ودولة الإمارات عموماً في مجال الإعلام.
أمينة عبيد، خريجة إعلام من إحدى جامعات الدولة في العام 2008، ترى أن الجانب العملي والتطبيقي لطلبة الإعلام الدارسين ظل إلى حد قريب ليس بالمستوى المطلوب، وحديثاً بدأت الجامعات تلتفت إلى هذا المجال وتوليه اهتماماً أكبر نسبياً، وتلك الثغرة ألقت بالعبء على كاهل الطلبة الباحثين عن الوظيفة الذين يصطدمون بواقع خارجي يبدو أصعب في أعبائه ومتطلباته، وهو ما يزيد من صعوبة الحصول على فرصة عمل.وتضيف أمينة أن المشكلة كما تبدو تتسبب فيها إلى حد كبير المؤسسات الإعلامية العاملة في الدولة، التي من الواجب أن تصبر على العنصر المواطن وأن تتيح له مزيداً من الثقة والاستقرار من أجل المواصلة في طريقه إلى المستقبل، لا سيما وأن المجال الإعلامي، وهو مجال حيوي ومهم، يفتقد إلى الآن الكثير من الوجوه المواطنة التي من الواجب أن تظل في المقدمة.
ويرى الخريج سعيد محمد أن المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الحكومية التي لا تعير المتقدمين للوظائف الاهتمام اللائق، مشيراً إلى أنه لم يبحث حتى الآن عن الوظيفة في المؤسسات الإعلامية، وذلك على الرغم من وجود رغبة لديه بأن يعمل في وظيفة إعلامية بغض النظر عن مجالها وطبيعتها.
قلة الأكاديميين
الدكتور إبراهيم الحوسني أستاذ الاتصال الجماهيري بجامعة أبوظبي ورئيس قسم الإعلام والعلاقات العامة في جمعية بيت الخير في دبي، يعتبر أن ارتباط الجامعة بالسوق الخارجية لا يزال ضعيفاً حتى الآن، وذلك مرده إلى أن الأساتذة الأكاديميين القادمين من الميدان العملي يمثلون قلة في الجامعات، حيث أن ثلاثة أساتذة فقط لهم تاريخ مهني وعملي، وذلك يجعل خبرة الطالب أكاديمية أكثر.
ويلفت الحوسني إلى إشكاليات أخرى يعيشها طلبة وخريجو الإعلام من مختلف الجامعات، وتتلخص في المردود الاقتصادي والمكانة الاجتماعية والحريات وضغط العمل، إضافة إلى المفهوم الاجتماعي الخاطئ حول واقع الصحافة والإعلام في السوق.
ويؤكد الدكتور إبراهيم الحوسني أنه ومن خلال تجربته في التدريس بجامعة الشارقة مدة ثمانية أعوام، فقد وجد أن الطلبة يتجهون أكثر إلى تخصص العلاقات العامة من أجل وظيفة حكومية، وتلك مشكلة كبيرة، حيث أنه كان يجتهد شخصياً ومع إدارة الجامعة لإقناع الطلبة باختيار تخصصات مباشرة في الصحافة المكتوبة أو الإذاعة والتلفزة، والنتيجة كانت في أفضل أحوالها 10 طلاب صحافة، و20 إذاعة وأكثر من 120 علاقات عامة.
هواية وموهبة
الدكتور بشير شحادة نائب رئيس جامعة عجمان للمتابعة والتطوير أوضح أن العمل الإعلامي يعتمد أساساً على الهواية والموهبة أكثر من الدراسة، والحاصل للأسف أنك تجد نسبة غير قليلة من الطلبة يتجهون لدراسة الإعلام ظناً منهم أنه أسهل التخصصات بحكم أن دراسته تكون في اللغة العربية، والواقع يؤكد أن غالبية التخصصات المتاحة تدرس باللغة الإنجليزية.
وأضاف شحادة أنه على تواصل مع عدد من المؤسسات الإعلامية في دبي والإمارات عامة، وأن الواقع يؤكد حاجة كثير من المؤسسات لكوادر إعلامية جديدة، لافتاً إلى أن نسبة غير قليلة من الخريجين تبحث عن الراحة والسهولة في العمل، وكما هو معلوم فإن الإعلام مهنة المتاعب، وذلك لا يوافق توجهات العديد من الخريجين، كما تؤكد الشواهد.
وحول واقع البرامج الأكاديمية التي تقدمها الجامعات في الدولة، أشار الدكتور بشير شحادة إلى أن جامعة عجمان وحينما استحدثت برنامج الإعلام، وطلبت الاعتماد الأكاديمي له من وزارة التعليم العالي، فقد تم جلب خبراء إعلاميين عالميين لمراجعة وتمحيص البرنامج، قبل الموافقة عليه، وأكاديمياً فقد أثبت برنامج الإعلام المطبق في الجامعة قدرته على تأهيل الطلبة، والمشكلة تظل في موهبة وطموح ورغبة الخريج بالعمل في مجال الإعلام وليس في تأهيله من قبل الجامعة.
ميول
نورة البدور: المؤسسات الإعلامية جزء من الجامعات
اعتبرت نورة البدور مدير مركز توظيف وتنمية المهارات التابع لهيئة تنمية الموارد البشرية الوطنية في دبي، أن المشكلة تبدو في عجز المؤسسات الأكاديمية عن مخاطبة ميول الطلبة، فالإعلامي لا بد أن يخلق منذ الصغر وقبل مرحلة الجامعة، ومن الواجب أن تتوقف الجامعات عن مبدأ التلقين النظري وأن توفر برامج تخصصية جل اعتمادها على التدريب العملي والتطبيقي.
واقترحت البدور أن تجزأ سنوات دراسة الإعلام بين سنة واحدة تعليم أكاديمي وثلاث تدريب وتطبيق في السوق والميدان، وهنا يتعين على المؤسسات الإعلامية الإماراتية المبادرة إلى توفير اتفاقيات واضحة المعالم مع الجامعات، بحيث يدخل الإعلاميون الممارسون للمهنة في تدريس الطلبة وتأهيلهم بحكم الخبرة، وذلك الواقع وحده كفيل بالقضاء على دوامة بطالة خريجي الإعلام، ومن غير المجدي الاستمرار في الحديث عن المشكلة في الصحافة والإعلام دون إبداء رغبات حقيقية وجدية للخروج من المأزق.
ورأت نورة البدور أنه يتعين على الجامعات إعادة النظر فيما توفره من برامج تخصصية أثبت الواقع أنها لا تصلح، فما الجدوى من وجود تخصصات العلاقات العامة والاتصال الجماهيري مثلاً وأين مجال عملها.
وظائف المؤسسات الحكومية خيار يفتقد المهنية
فيما يؤكد عدد من خريجي الإعلام المنتظرين للحصول على وظيفة في إحدى المؤسسات الحكومية أن المشكلة لا تغادر أبواب المؤسسات الحكومية التي لا تلقي لهم بالاً، وأن المسؤولين لا يبدون اهتماماً حقيقياً لتوظيفهم، يبدو المشهد من وجهة نظر المسؤولين التربويين وأصحاب الاختصاص مختلفاً كثيراً.
حيث أنهم يجزمون أن التخصصات الفضفاضة التي يتسلح بها الخريجون مثل «إعلام وعلاقات عامة» لم تعد مرغوبة إلى الحد الذي يتوقعه البعض، لا سيما في ظل عصر الاحتراف والسرعة والتخصص الدقيق، مشيرين إلى أنه كان الأولى بهم البحث عن تخصصات مطلوبة ومباشرة تمنحهم القوة للولوج إلى سوق العمل دون الانتظار لسنوات.
وأبدى عدد من التربويين عدم رضاهم عن انتظار الخريجين للوظيفة على أبواب المؤسسات الحكومية بصفة عامة، وعدم توجههم إلى المؤسسات الإعلامية الكثيرة المنتشرة في الدولة، خاصة وأن الطلب على الوظائف الإعلامية لا يزال متوفراً وبقوة، موضحين أن رغبة البعض في العمل بوظيفة حكومية تتولد طلباً للسهولة والراحة والاستقرار.
دبي ـ عنان كتانة


