لطالما داعبت مسطحاته الساكنة رغبة المغامرة في الإنسان، ولطالما ركب المتنافسون ظهور أمواجه العالية ليقهروا جبروته، وكم دعا غموضه روح الفضوليين، وكم أشغلت عظمته قرائح المبدعين. هو ذلك وأكثر، حيث تبقى الفرادة له وحده بهيبته وعظمته وقسوته وكرمه، وحتى غضبه. البحر ذلك المحيط الكوكب بزرقة كونية.

هو البحر حين يزيح الوداعة جانباً ويعلن عن غضبه، يطلق نذره إشارات للعارفين بمواسم أمزجته، حين تقترب الأجرام أو تبتعد في دورتها الأزلية، فتنازعه في شد وجذب بين السماء والأرض.

هو البحر حين يغضب ثائراً وجارفاً بمده الفلكي الأحياء والموجودات، وليس يماثل غضبه سوى الطبيعة في تضامنها معه بارتباطهما السرمدي حين تثور لغضبه دافعة إليه بما على جانبيها وعلى ظهرها.

ويبقى البحر رغم اهتياجه والتهامه الخاطف بعيداً عن صفة الغدر، فلا يفيض بلا تمهيد وإشارة، ولا يثور بلا تقديم وتدرج، لكن غرور الكائن البشري، حين تأخذ الإنسان الغفلة والسهو والنسيان.. يستبد به الجهل، ويصبح غنيمة قريبة للبحر وهينة عليه.

فاطمة الهديدي