للمناسبات السعيدة لون ورائحة، وصوت يتردد في دهاليز الذاكرة بفرح وسرور، الولادة كانت إحدى حكايات الاحتفاء التي استعد لها الأهالي قديماً، فقدوم المولود الجديد ارتبط بعادات اجتماعية تنطوي على خصال مستمدة من الثقافة الإسلامية كالكرم والإيثار والمشاركة.

تفاصيل العادات الاجتماعية المرتبطة بوضع المرأة لمولودها تبدأ مع خروجها من بيت زوجها إلى بيت والدها، فعندما تستشعر المرأة الحامل قرب ولادتها، فإنها تستعد للذهاب إلى بيت والدها، لتحظى بعناية والدتها، لا سيما إن كانت تضع مولودها الأول، ويتم خلال رحلة الولادة تلك الاستعداد عبر عادات عدة، فيقوم أهلها بتجهيز ثياب المولود الجديد، والتي تُسمى «السباحات».

وهي عبارة عن «كنادير» قطنية خفيفة محاكة يدوياً داخل المنزل، بعد أن تضع الأم مولودها يتم الاستعانة بالمنز، وهو سرير خشبي تقليدي يُعلق بحبل في سقف الغرفة، ولم تكن جميع العائلات تستعين بسرير جديد، بل يتم إعادة استخدام «المنز» وتداوله بعد أن يكبر الصغار ويستغنون عنه.

ويتم فرش المنز بالرمل، وتغطيته بشرشف صغير وتغيير الرمل متى ما استدعت الحاجة، حيث لم تتوفر حفاظات الأطفال قديماً، وتم الاستعانة بالرمل لامتصاص البلل، واستبداله بكمية أخرى من الرمل.

من العادات المصاحبة لخروج المرأة إلى بيت زوجها لتضع مولودها، حرص الزوج على جلب المواد الغذائية التي تحتاجها زوجته ووليده، وهو ما يُسمى «المير»، بينما يحرص أهلها على تجهيز الأدوية والمشروبات التي تحتاجها المرأة بعد الولادة، مثل أنواع البهارات كالفلفل والقرفة وحب الهال، والسمن البلدي، وحبة الحمراء.

وجرت العادة أن تقوم جاراتها أو قريباتها بجلب هدايا مثل البيض، والسمن البلدي، والدجاج، أو ملابس للطفل، تشمل «السباحات» و«القماط»، وهو قطعة من القماش تستخدم للف الطفل الرضيع، كما يوضع في أعلى «المنز» طوق قماشي صلب يضع الطفل عليه رأسه، يُسمى «الطواق» يعمل على تحديد شكل رأس الطفل ويساعد على تقويته.

وبعد أن تضع المرأة وليدها في منزل أهلها، تبدأ رحلة تغذيتها، والتي تشمل تجهيز أنواع من الأطعمة المفيدة، لها وللطفل، بحيث يستفيد منها عن طريق الرضاعة الطبيعية، ومنها «الخويّه»، وهو طبق يضم الدجاج المحشو بالبهارات والثوم والبصل.

والتي يسود اعتقاد لدى الأهالي بأنها «ترد» الدم وتعمل على تغذية المرأة بعد ولادتها وتعمل على إدرار الحليب، كما جرت العادة أن يتم تحضير أطباق اللحم الطازج مثل الفريد، «الثريد»، وكل ذلك خلال فترة الأربعين، كما تجنب الأهالي تحضير السمك للمرأة الوالدة حديثاً لضرره عليها.

إلى جانب تلك الأطباق، يتم تحضير مشروب خاص بفترة ما بعد الولادة، تُسمى «حبة الحمراء»، وهي حبوب حمراء صغيرة، يتم سلقها بحيث تنتفخ مكونة قشرة هلامية، يُضاف إليها فلفل أسود وقرفة وحب الهال والسمن البلدي، ويعمل المشروب على تنظيف جسم المرأة، بحيث يتم تناوله لعشرة أيام أو أسبوعين تلي فترة الولادة.

طقوس وسنن

بعد أن تبصر عيناه النور، اتبع الأهالي قديماً سنة الأذان في أذن الوليد، تيمناً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى جانب ذلك فإنه يتم «تنطيع» الطفل بتمرة في سقف حلقه، أي لصقها في سقف الحلق وإخراجها بعد أن يلعقها الطفل بلسانه، أو تذويب التمرة بالقليل من الماء.

بحيث يتم وضع بضع قطرات من السائل في فم الطفل، ولتلك العادة بُعد ديني، يُقال بأنه مُستمد من حكاية مريم عليها السلام مع النخلة أثناء مُخاضها، فللنخلة بركة تُستمد من ثمارها المفيدة، إلى جانب الرضاعة الطبيعية، يتم الاستعانة بالماء والسكر لتغذية الطفل.

وأحياناً تذويب ملعقة صغيرة من «حبة الحمراء» في الماء وإضافة السكر لها ووضع بعض القطرات في فم الرضيع، وذلك مرة واحدة في اليوم، وشاعت بعض الأمراض لدى الأطفال مثل المغص، والتي يتم علاجها عن طريق تذويب الأعشاب مثل الحلول بكميات بسيطة وتقطيرها في فم الطفل.

وبعد مرور أربعين يوماً على الولادة، يتم «تحسين» المولود، أي حلق شعره، على يد أحد كبار السن ممن يُحسنون التعامل مع المواليد الصغار، وتُسمى تلك المناسبة «الطلوع»، أي خروج الطفل وأمه من فترة الأربعين، وكان أحد الأهالي يقوم بجمع شعر المولود الجديد بعد حلقه ووزنه وتوزيع ذهب بمقداره، أو مال.

وبعد الأربعين، يتم طهي الهريس وتوزيع الحلويات على الأهل والجيران، تصاحب تلك العادات عودة الأم ووليدها إلى منزل العائلة. وتجدر الإشارة إلى أن رحلة الأم إلى بيت أهلها للولادة تتم عادةً في الولادة الأولى بحيث تستعين بوالدتها لتعليمها والسهر معها إلى جانب المولود الجديد، حيث تجهل المرأة تفاصيل التعامل مع الطفل، والتي تكتسبها من والدتها أثناء مكوثها عندها.

أمل الفلاسي