بعيداً عن تراب البر، وعن شواطئ الدفء المالحة، وبعيداً عن حمرة رمال الصحراء التي لسعت خطوات أبيه ثم نسجت تلالها سيرة جده، واحتضنت جنباتها من قبل غصون شجرة العائلة.
وعالياً أيضا حين تدفع به الأحلام إلى أفق مفتوح نحو سماء التجربة وكينونة البشرية، فاراً من ظلمة الأنفاق والأسوار الشائكة، ملتهماً من الجهات المطروحة المفتوحة ما يعب منها في جعبته، فيطلق مظلة يهبط بها من هناك إذ استقر عند الشمال، حيث تتساقط الثلوج كما تسقط أشعة الشمس الشرقية على تخوم الجزيرة. سجل ميلاده على صفحة ثلجية، ونبتت قدماه من قطن تندفه السماء. هكذا هم أبناء المهجر، أطفالنا.. مواليد يطلقون صيحتهم الأولى في جغرافيا مختلفة.
ويبدؤون خطواتهم على جليد الوحدة، أما الغربة فليست لهم، بل لأولئك المأسورين خلف شاشة تطل بهم على صورة من المستقبل.. من الغيب تجمدت فيها لحظة ما كان لها أن تنبض بعيداً، لحظة لومضة ليس إلا، إذ غابت الحركة وتجمدت الحياة الحارة من قبل ومن بعد. أمام أولئك المتحلقين المتحصنين بذكرياتهم المتشابكة، والمرتهنين لجهل بما يُحمل منها وما يلقم للماضي.
نأتي بهم عزلاً بلا رفقة ثم لا نستدير، بل نقبع بعيداً عند سفح الخيبة، نبكي على الغروب عند المغيب كمن ليس له حول وليست له قوة، ثم لا نلتفت لضحكة الغد، ولا نتأمله وهو مقبل علينا كرحمة تكشط عنا صلف البداوة وتمرد البداية المظلل وربما المتأصل فينا. نسلو بالأسئلة.. هل تحملهم الرمال المتحركة على العودة يوماً؟ وهل ينصاع لحملهم ظهر البطحاء وقد لانت بهم الهوية وتشظت الأبجدية لديهم؟
إنهم أطفال المهجر، يبزغون بلا تأجيل لمرئياتهم.. براعم هم.. حارة تترعرع بين الجليد حين يعتنق الأصل الانتظار والتأجيل كرهان على ضمان الغد، بينما الفرع يسجل انتصاره في بطولة مجدولة بذخيرتين محمولة على جناحي الصدق والطموح وقودها إصرار يسمى الوحدة بلم الشمل، وأما الحصاد فهي السعادة، وأما أخيراً سيبدأ مشهد الحياة.. كما ينبغي للحياة.
فاطمة الهديدي
