«في اليوم الخامس عشر من الشهر الحادي عشر، اختفى كوكب الزهرة في الغرب، وبقي بعيداً لثلاثة أيام في السماء. في اليوم الثامن عشر من الشهر الحادي عشر، ظهر كوكب الزهرة في الشرق».

المثير للدهشة في هذه المشاهدات الفلكية لكوكب الزهرة هو انها تمت قبل حوالي 3500 سنة من قبل منجمين بابليين. ونحن اليوم نعلم بشأنها بفضل لوح طيني قديم يدعى «لوح الزهرة من زمن الملك آمي صادوقا»، كان قد نقش بعد حوالي 1000 سنة من تاريخ المشاهدات نفسها، وبقي سليماً تماماً تقريباً حتى يومنا هذا، ويمكن رؤيته في المتحف البريطاني بلندن.

بالطبع، فإن معارفنا اليوم في شتى المجالات تتجاوز حتى حدود خيال البابليين. فنحن لا نكتفي بالنظر إلى الزهرة من بعيد بل نرسل المراكب الفضائية إلى محيطه، وخبراؤنا الصناعيون يحولون الرمل والنفط إلى ماكينات بالغة التعقيد والصغر، وعلماء الأحياء في عصرنا غاصوا عميقاً في فك أسرار الحياة.

لكن حتى ونحن نكتسب المزيد من هذه المعارف الاستثنائية أكثر من وقت مضى، فإننا نقوم بتخزينها في أشكال أسرع زوالاً وأكثر هشاشة من أي وقت مضى. وإذا واجهت حضاراتنا متاعب مصيرية.

كما حدث مع كل الحضارات السالفة، فكيف ستتمكن كل تلك المعارف من البقاء. لنفترض، مثلاً، أن النظام المالي العالمي انهار بالكامل أو ظهر فيروس قاتل قضى على معظم سكان العالم، أو ضربت الأرض عاصفة شمسية هائلة دمرت الشبكة الكهربائية لقارة أميركا الشمالية أو اصطدم حجر نيزكي عملاق بكوكبنا.

وأياً كان السبب، فإذا انقطعت الطاقة الكهربائية عن بنوك الكمبيوترات التي تخزن الآن جزءاً كبيراً من المعارف البشرية، وتوقف الناس عن الاهتمام بها وبالمباني التي تأويها، وتوقفت المصانع عن إنتاج المزيد من الرقائق والأقراص الحاسوبية الصلبة، كم من الوقت ستصمد معارفنا في مواجهة خطر الاندثار إلى الأبد؟

وكم من الوقت سيحتاج الناجون من الكارثة لكي يتمكنوا من استرجاع معلومات خزنت على مدار عقود طويلة أو حتى قرون.

بالطبع فإن أجزاء كبيرة من البيانات التي قد تفقدها البشرية في سيناريو كهذا ليست ذات أهمية تذكر، لكن بعضها مهم جداً بطبيعة الحال. ففي عام 2008، على سبيل المثال، تبين ان الولايات المتحد قد «نسيت» كيف تصنع أحد المكونات السرية للرؤوس النووية.

واكتشف الخبراء انه لم يتم حفظ سجلات وافية عن هذا الموضوع، وان كل الموظفين الأساسيين الذي عملوا على تلك الجزئية إما تقاعدوا أو تركوا الوكالة الحكومية المعنية. وفي المحصلة أدى هذا الفشل الذريع إلى إضافة 69 مليون دولار إلى تكلفة برنامج تجديد الرؤوس الحربية.

وفي حالة انقطاع التيار الكهربائي لفترة طويلة، سوف يعتمد بقاء تراث البشرية جمعاء على مدى ديمومة القرص الحاسوبي الصلب ـ أو الهارد درايف ـ وهو التقنية التي تؤدي دور الذاكرة الكلية لمجتمعنا.

كل شيء، من أحدث قواعد بيانات مشروع الجينوم البشري والسجلات الحكومية والمصرفية إلى المعلومات الشخصية، مخزن على أقراص صلبة، معظمها موجود في غرف مليئة بالسيرفرات تعرف باسم مراكز البيانات.

لم يكن هذف الأقراص الحاسوبية الصلبة التخزين على المدى البعيد، لذلك لم يتم إخضاعها للاختبارات المستخدمة عادة لتقدير العمر الافتراضي لوسائط التخزين مثل الأقراص المضغوطة المعروفة باسم أقراص السي دي. ولذلك لا أحد يعلم على وجه الدقة كم ستدوم الأقراص الحاسوبية الصلبة.

ويتم تخزين نسخ احتياطية من معظم البيانات المهمة على وسائط مثل الأشرطة المغناطيسية أو الأقراص الضوئية. لكن لسوء الحظ، فإن الكثير من هذه الأشكال لا يمكن الثقة بديمومتها حتى لخمس سنوات، كما يقول جوي إيراسي، المتخصص في دراسة موثوقية واعتمادية الوسائط الرقمية في معهد «كونسيرفيشن» الكندي في أوتاوا.

وتظهر اختبارات إيراسي لقياس مؤشرات «الهرم المتسارع»، والتي تتضمن تعريض الوسائط الرقمية لدرجات عالية من الحرارة والرطوبة، ان الأقراص الضوئية الأكثر استقرار على مدى الطويل هي أقراص السي دي التي تستخدم طبقة عاكسة من الذهب وطبقة من صباغ الفثالوسيانين.

ويقول «إذا استخدمت ذلك القرص وقمت بتسجيل البيانات عليه بالطريقة الصحيحة، أعتقد انه قد يصمد حتى مئة عام. أما إذا استخدمت شيئاً آخر، فقد لا تصمد بياناتك لأكثر من 5 إلى 10 أعوام».

وتركز الاستراتيجية المتبعة حالياً لحفظ البيانات المهمة على تخزين عدة نسخ في عدة أماكن مختلفة، أحياناً في صيغ رقمية مختلفة. ويمكن لهذه الاستراتيجية ان تحمي البيانات من الكوارث الموضعية مثل الأعاصير أو الزلازل، لكن لا طائل منها على المدى البعيد.

إعداد ـ علي محمد