الفتيات في مرحلة الجامعة، أقرب في الرقة والنعومة إلى الزهور، وعلى الدوام تجدهن أسيرات أحلام وآمال وطموحات ورغبات، وأحياناً إحباطات؛ يهمسن بها لأنفسهن ولصديقاتهن، ومهما بلغ صدى تلك الهمسات.

إلا أن هامساتها يبقين في حاجة ملحة للتواصل مع الآخرين من ذوي الخبرة والقدرة على احتوائهن.. لذلك فقد ألقيت في مبنى السكن الداخلي للطالبات بجامعة الشارقة محاضرة «همسات الزهور» التي تحاكي حس الشباب لدى الفتيات بآفاق نفسية واجتماعية تليق بواقع مئات الطالبات هناك.«عفواً إني فتاة» حملة سابقة أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية العام الماضي، واستهدفت طالبات الجامعات بصفة مباشرة، وخلالها قدمت الدكتورة علياء إبراهيم الخبيرة التربوية والأسرية حلقة نقاشية مهمة موجهة إلى طالبات جامعة الشارقة جاءت على شكل «رسائل عاجلة»التي لاقت نجاحاً وتقبلاً كبيرين.

لذلك أصرت هذا العام على إعادة الكرّة ثانية بعنوان مختلف وهو «همسات الزهور» على أمل أن تغرس في قلوب وعقول الكثيرات ما يليق بواقع ومستقبل الفتيات.ذلك يأتي في وقت تؤكد فيه المرشدة النفسية في جامعة الشارقة رشا عبدالله أن أكثر المشكلات التي تواجه مجتمع الطالبات في مرحلة الجامعة، هي الخجل والانطواء وعدم القدرة على التفاعل والتواصل مع الآخرين، والتردد وانعدام الثقة بالنفس، وانخفاض المعدلات الدراسية وانخفاض تقدير الذات وقلق الامتحان، والمشكلات الأسرية فقدان التواصل مع الآباء والأمهات أو الأزواج.وتشير إلى أن المرحلة العمرية من 18 وحتى 21 عاماً هي مرحلة الشباب أو المراهقة المتأخرة، تعد مرحلة حاسمة في حياة الفتاة، إذ إنه من المفترض أن تتجه الطالبة في هذه المرحلة نحو النضج والاستقرار الانفعالي، وتعتبر الرغبة في إثبات الذات والاستقلال من الخصائص المميزة لهذه المرحلة.

وذلك الأمر الذي يتطلب حرصاً شديداً عند التعامل معها، والتواصل من خلال إتاحة الفرصة للتعبير بحرية عن أرائها وأفكارها من خلال المناقشة والحوار، وليس بإصدار الأوامر، وهذا يفسر بوضوح السبب الرئيسي لفقدان القدرة على التواصل بين الآباء والأبناء في هذه المرحلة.ومن وجهة نظر الدكتورة علياء إبراهيم، فإن انتقال الفتاة من مرحلة الاعتماد على الأسرة إلى مرحلة الاستقلالية في سكن الجامعة، ليس أمراً هيناً خاصة على الفتيات بطبيعتهن الرقيقة.بل إن مرحلة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة بكافة متغيراتها، في ظل غفلة المدرسة عن إعداد الطلبة نفسياً واجتماعياً للانتقال، يحتم على المسئولين وفي وقت مبكر التدخل لصالح الطالب أملاً في تجنيبه عثرات الشباب.

مشاعر الغربة

وتحظى طالبات السكن الجامعي بخصوصية تتعلق بتركهن عائلاتهن والانتقال إلى العيش في سكن بعيد، وبه قد يواجهن الإحساس بالغربة، وقلة الخبرة، والتنوع في الثقافات والاختلاف في عادات وتقاليد وطباع طالبات أخريات، فيقعن في حيرة أفكار مغلوطة تتعلق بالحياة الجامعية.

وما يصاحبها من دعوة إلى الحرية غير المنضبطة وغير المسئولة، والتي غالباً ما تكون نتائجها وقوع الفتاة في ممارسات خاطئة، خاصة في ظل الاندماج في صحبة سيئة، كما تؤكد الدكتورة علياء.

وتضيف أن الفتاة وهي في عمر الزهور، تحتاج إلى بنية شخصية قوية كي تستطيع الحفاظ على قيمها التي نشأت عليها، فيما الإحساس بالغربة وافتقاد حنان الأسرة ومتابعتها.

يلعب دوراً كبيراً في تركها في حالة ضعف، لذلك فوجود من يحاور الفتيات ويتعرف على أفكارهن وطموحاتهن والتغييرات التي تطرأ عليهن في هذه المرحلة، يبقى أمراً مهماً وحيوياً.

ثقافات مختلفة

بخيتة الخاطري مديرة السكن الداخلي للطالبات في جامعة الشارقة أكدت أن التعامل مع فتيات قادمات من ثقافات مختلفة وجنسيات ودول عديدة، وتعوديهن على اتباع النظام الموحد في السكن الداخلي أمر يحتاج إلى جهد كبير، مشيرة إلى أن إدارة السكن تقدم للطالبات الرعاية اللائقة.

على اعتبار أن السكن يبقى بيت الطالبة وتتواجد فيه في مختلف الأوقات، وفي كافة حالاتها النفسية والاجتماعية الفرح والحزن والمرض والدراسة والمرح.

الطالبة عبير عبدالله ترى أن السكن الجامعي أصبح بطريقة أو بأخرى جزءاً من حياتها، وهي ملتزمة بقوانينه وروتينه اليومي بشكل تلقائي، مؤكدة في جانب آخر أنها لا تستطيع أن تقيم صداقات مع كثير من الطالبات لأنها لا تدرك ظروف كل واحدة منهن.

وفي مثل هذه الحالات فالحذر مطلوب جداً في اختيار الصداقات خصوصاً في بيئة تجمع بين ثقافات مختلفة وخلفيات متباينة،ألافكل فتاة تأتي حاملة قيم وقناعات قد تختلف فيها مع زميلاتها.

كما أنألاما هو مسموح في بيئات معينة قد يكون غير مقبول في بيئات أخرى، لذا على الطالبة ألا تنجرف مع التيار وأن تحافظ على قيمها التي تربت عليها.

متطلبات صعبة

وتؤكد الطالبة سمية سيد جواد أن التوفيق بين متطلبات الدراسة والأمور التي يجب القيام بها في السكن الجامعي أمر صعب جداً، ففي السكن يجب على الطالبات الاعتماد على أنفسهن بشكل كلي من حيث التنظيف والطبخ وما إلى ذلك، ومع مرور الوقت اعتادت الطالبات هذا الواقع.

وإن ظل الأمر لا يخلو من الصعوبة، خاصة في فترة الامتحانات، مؤكدة أن اختلاف البيئات التي تأتي منها الطالبات زاد من صعوبة تكوين صداقات بين طالبات السكن الجامعي.

وترى آمنة سيف سلطان أن للصداقة دوراً مهماً في حياة الآخرين، ويتعين على الفتاة عدم التسرع عند اختيار الصديقة، بحكم اختلاف البيئات وأنماط التربية والسلوك، بالتالي يجب أن نحذر حتى لا نقع في صداقات تؤثر علينا في الاتجاهات السيئة.

والصديقة غير السوية يمكن أن يكون لها تأثير سلبي في أن تقوم بأفعال وسلوكيات غير مقبولة، لافتة إلى وجود مسألة مهمة في التعامل مع الصديقات، وهي «غيرة البنات» سواء كانت في جانب المذاكرة أو الشكل أو الظروف المادية، وبالتالي يجب الحذر طوال الوقت.

فاتورة الحداثة

لمشرفات السكن الجامعي آراء من حيث علاقتهن بالطالبات، تقول المشرفة نهلة صالح الماجد إن أهم ما تحتاجه الفتاة الجامعية هو توفير الجو الدراسي المناسب والترويح عن النفس.

موضحة أن الحياة العصرية لها دور كبير في تكوين شخصية الطالبة، وفي بعض الأحيان تدفع الفتاة فاتورة الحداثة بفعل المغريات الكثيرة، حيث تسعى إلى مواكبة التطور والحداثة في نسق من الغيرة والتنافس بين الطالبات بغض النظر عن أهمية المغريات وعن المستوى المادي لكل واحدة.

أما عائشة الحجي مسؤولة مبنى خديجة بنت خويلد في سكن الطالبات فترى إن تأثير الحياة العصرية على الفتيات يبدو جلياً في مختلف المواقع، ويمكنك أن ترى فتيات عربيات يتشبهن بالرجال، ويخرجن على واقع الأصول والثوابت التي تربين عليها.

بينما تؤكد المشرفة رحاب عاطف أن الفتاة بحاجة إلى الاحتواء كي تشعر بالانتماء إلى المكان، كما تحتاج إلى من يفهمها ويتفاعل مع مشكلاتها، مع إعطائها مساحة من الحرية الكافية وعدم التدخل في شؤونها الخاصة، لافتة إلى أن الحياة العصرية أثرت على واقع الفتاة في جوانب متعددة.

منها الانترنت والموبايل، فالفتاة أصبحت تنشغل كثيراً عن الحياة الاجتماعية، وهي تنفق بشكل مبالغ نسبياً، وفي الحقيقة فإن الطالبة تدفع فاتورة كل ذلك من مختلف النواحي إذا لم تتخذ الحيطة والحذر.

صراع نفسي

من جانبها تضيف المشرفة أميرة كرار أن أسلوب العيش العصري أثّر إيجاباً على واقع الجميع، لا سيما في توفير الوقت والجهد ضمن وسائل الاتصال السريعة والمناسبة.

كما أنها أثَّرت سلباً، حيث أن الأوضاع المادية لبعض الطالبات لا تمكنهن من اقتناء مختلف الوسائل العصرية مما يجعلهن في صراع نفسي سلبي.

وتؤكد نجلاء عبد الله المساعدة الإدارة بإدارة السكن الداخلي على أهمية احتواء الطالبة منذ الوهلة الأولى لدخولها إلى السكن ومساعدتها في الحصول على ما تريد من تسهيلات، مع محاولة توحيد الجنسيات قدر المستطاع لخلق ألفة بين الطالبة والمكان.

موضحة أن الحياة العصرية سلاح ذو حدين له جانب إيجابي من خلال استخدام التقنيات الحديثة والاستفادة منها، وجانب سلبي يتمحور في ضياع الوقت وما له من تأثير على الدراسة والمعدل التراكمي للطالبة، وهنا لا بد من وجود توعية وتوجيه وإرشاد من خلال الإعلانات والمحاضرات، مع ضرورة التأكيد على التمسك بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة.

حاجة الفتيات

تؤكد الدكتورة علياء أن من عايش المرحلة الجامعية يعي جيداً حاجة الفتيات إلى من يحاورهن ويتعايش مع مشكلاتهن ويجيب عما يدور في أنفسهن من تساؤلات حول الصداقة والاستذكار ووسائل التكنولوجيا والاختلاط وغيره.

ومن خلال «همسات الزهور» ناقشت العديد من الموضوعات منها ايجابيات وسلبيات تجربة السكن الجامعي والبعد عن الأسرة ومعايير اختيار الصحبة، ونظرة الطالبات لتطور وسائل التكنولوجيا وكيفية الوقاية من الاستخدامات السلبية، إضافة إلى ظاهرة «الشات» وهوس الـ «فيس بوك» وإيجابياته وسلبياته.

وأكدت الدكتورة علياء على أهمية الرقابة الذاتية لدى الفتاة في تعاملاتها في مختلف تفاصيل حياتها اليومية، وأهمية أن تمتلك القدرة على استخدام كلمة لا لكل مالا يتفق مع قيمها.

تربية

مشرفات السكن يكسبن ود الطالبات من باب الأمومة

أكدت بخيتة الخاطري مديرة السكن الداخلي للطالبات أن جميع العاملات في السكن يتعاملن مع الطالبات بدور الموجهات والمرشدات والأمهات في محاولة لكسب رضا الطالبات، خصوصاً في هذه المرحلة العمرية التي يصعب إرضاء الفتاة فيها بحكم مغريات الحياة الكثيرة.

وشددت على ضرورة التزام الجميع بتعليمات القانون المحدد لدى الإدارة فيما يخص فتيات السكن الداخلي، لا سيما في حالة التعامل مع فئة الشباب الملتزم أو المندفع.

وأشارت الخاطري إلى أن العدد الحالي للطالبات المقيمات في الداخلي لجامعة الشارقة يبلغ 1600 طالبة، ينتمين إلى مختلف الدول العربية والأجنبية والأفريقية، موضحة أن الطالبات من إمارات الدولة المسموح لهن الإقامة في السكن الداخلي فقط اللواتي يقمن في المناطق البعيدة عن إمارة الشارقة مثل المناطق الشرقية وأبوظبي والعين.

مع الإشارة إلى وجود طالبات مغتربات من خارج الدولة من دول مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى مثل تركيا ونيجيريا والسنغال وإيران وأفغانستان والبوسنة والهرسك.

مرحلة

الفتاة.. طفل يتحسس عالمه الجديد

يمكن اعتبار الطالبة في مرحلة الجامعة تماماً كالطفل الذي يتحسس عالمه الجديد، كما توضح المرشدة النفسية رشا عبدالله، حيث تبقى الفتاة في دائرة الفضول حول ما تراه وما تسمعه وما يصدر من طالبات أخريات، وما تربت ونشأت عليه من سلوكيات.

فتقع في حالة من الارتباك والتشويش النفسي الشديد، وتكون بحاجة لمن يتفاعل ويتواصل معها بشكل إنساني، ومن هنا تأتي أهمية الإرشاد والتوجيه النفسي في الجامعة من خلال الجلسات الخاصة مع الطالبات، أو اللقاءات المفتوحة.

مع التأكيد على أهمية أن يكون التوجيه من خلال الحب وبث الثقة بالنفس وتنمية الشعور بالأمن والأمان، وإتاحة الفرصة للتعبير الحر والاستماع باهتمام والمشاركة والحوار والمناقشة.

وتؤكد المرشدة النفسية أن اللقاءات الدورية مع الطالبات تتيح لهن فرصة للتعبير بحرية وأريحية، وبالتالي تخفيف بعض الهموم التي تثقل كاهلهن ولو بشكل غير مباشر، علاوة على التعرف على نوعية المشكلات التي تواجهها الفتاة في هذه المرحلة.

ومن ثم يمكننا تحديد الأساليب التي يمكن من خلالها التعامل معها، كما تساهم أيضاً في معرفة مزاج الفتاة، وما تحتاج وما هي الموضوعات التي تؤرقها أو تحتل مساحة من تفكيرها.

عنان كتانة