نواجه في حياتنا اليومية الكثير من الضغوط النفسية والجسدية والتي من شأنها أن تقلب نظام حياتنا بشكل كلي، وفي كثير من الأحيان لا نستطيع التكيف مع الأوضاع الجديدة لحياتنا خاصة عندما يكون الألم الشديد هو محركها.
ولعل أهم أمراض التهاب المفاصل الذي تنقسم إلى 200 نوع، مرض «الروماتويد» الذي قد يصحو من سباته بفعل هذه الضغوط، ليغير حياة المريض الذي سيتحول مع مرور الوقت إلى حبيس الفراش في حالة استسلامه له.وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة تبين حجم انتشار هذا المرض داخل الدولة، إلا أن هناك دراسات تفيد بوجود ما يقارب الـ 75 ألف مصاب في الدولة، وهو رقم لا يمكن الاستهانة به، خاصة في ظل وجود عدم تكافؤ بين أعداد أطباء المفاصل في الدولة مقارنة مع أعداد المرضى. وفي الآونة الأخيرة نشطت شركات الدواء بالتعاون مع الأطباء لمواجهة المرض، عبر إقامة عدد من الندوات التثقيفية للأطباء ومرضى المفاصل، إلى جانب أنتاج أدوية جديدة قد تساعد على إعادة الحياة للمصابين بهذا المرض.
خاصة وأن أحدث الإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية قد أشارت إلى أن 1% من سكان العالم يعانون من التهاب المفاصل الروماتويدي، مع الإشارة إلى أن نسبة إصابة النساء بهذا المرض تصل إلى ضعف ما عليه الحال مع الرجال.
ورغم نداءات الأطباء وحملات التوعية التي يقومون بها سنويا إلا أن قلة الوعي حول هذا المرض ما زالت تهيمن على العالم العربي بما فيها الإمارات، وهي التي تعتبر إحدى أهم المشكلات التي تواجه أطباء المفاصل.
200 نوع
«البيان» التقت الدكتور وليد يوسف الشحي، استشاري أمراض المفاصل والروماتيزم في مستشفى القاسمي ومستشفى الدكتور سليمان الحبيب، ورئيس جمعية الإمارات لالتهابات المفاصل (SR) .
والذي قال: «تتراوح أنواع أمراض التهاب المفاصل ما بين 120 / 200 نوع، والروماتويد أحد أنواعه، وهو ناتج عن خلل يصيب أجهزة المناعة في الجسم التي تعمل على مقاومة أية فيروسات أو بكتيريا تدخل الجسم، لتتحول إلى مهاجمة أعضاء الجسم المختلفة وأهمها المفاصل.
حيث تبدأ بإفراز إنزيمات قوية قد تؤدي إلى نخر العظام، والخطورة في هذا المرض أن جهاز المناعة قد يهاجم أعضاء أخرى في الجسم مثل القلب والشرايين والرئتين والكلى والدم مسببا تكسرا فيه».
ويشير د. الشحي إلى أن الإنسان يولد عادة وهو حامل لعدد من الأمراض وقد يكون من بينها «الروماتويد» الذي يبقى في سبات تام إلى أن يتعرض الجسم إلى ضغوط جسدية ونفسية كبيرة تؤدي إلى إيقاظه، وبالتأكيد فإن ابتعاد أي شخص عن هذه الضغوط سيبقيه في منأى عن الإصابة بالمرض.
كما في أي مرض، فإن للروماتويد الذي يصيب بالعادة مفاصل اليدين والقدمين الكبرى منها والصغرى ولا يصيب الظهر عدد من الإشارات التي تشير إلى استيقاظه من سباته، وأهم هذه الإشارات تتمثل في شعور المريض بآلام حادة وتيبس وتورم في المفاصل قد تمتد لستة أسابيع.
على أثرها يعجز المريض عن النهوض من سريره، وبالتالي فهي تمنعه من ممارسة حياته العادية، والمشكلة تزاد إذا لم يتناول المريض العلاج الصحيح، لأن استفحال المرض سيزيد من نخر العظام نتيجة لقوة الإنزيمات التي تبدأ بمهاجمة المفاصل على اعتبار أنها فيروسات.
قلة وعي
ويؤكد د. الشحي أن المشكلة التي يعاني منها أطباء المفاصل في العالم العربي هي قلة وعي المجتمع العربي الذي يطلق كلمة «روماتيزم» على أي ألم يصيب الجسم.
واعتقاده بأن الروماتيزم لا يصيب إلا الكبار فقط وأنه بعيد عن صغار السن، في حين أن الدراسات أثبتت بأن الأكثر عرضه له ما بين 18 / 48 عاما، ويقول الشحي: «فضلا عن هذه المشكلة، فهناك مشكلة أخرى وهي قلة أطباء المفاصل في الإمارات مقارنة مع عدد المرضى.
حيث يوجد في الدولة نحو عشرين طبيبا فقط اثنان منهم في الإمارات الشمالية، في حين أن تركيزهم منصب في دبي وأبوظبي، ومع ذلك يبقى هذا العدد قليلاً جدا مقارنة مع أعداد المرضى في الدولة الأمر الذي يخلق ازدحاما في جدول مواعيدهم».
بلا شك فإن التشخيص المبكر لأي مرض قد يساهم في الحد من تأثيراته أو تطوره إلى مراحل متقدمة، والحال نفسه ينطبق على مرض الروماتويد، ولذلك نجد انه في اغلب الأحيان أن سوء التشخيص وإهمال المريض يلعبان دورا مهما في تأخر العلاج، وحول ذلك .
قال الشحي: «بلا شك فإن التشخيص المبكر مهم جدا لإيقاف المرض، فمنذ خمس سنوات تقريبا ونحن نتحدث عن نظرية جديدة وهي «نافذة مفتوحة للتدخل»، والتي تعطي للطبيب فرصة التدخل وإيقاف المرض في بداياته خاصة في فترة الستة أشهر الأولى.
بينما نجد أن هذه النافذة تغلق أمام الطبيب في حالة التأخر بتشخيص المرض وتقدمه خاصة في حالة استخدام المريض لمضادات وأدوية مسكنة دون استشارة الطبيب، الأمر الذي يضاعف من المرض ويؤخر فرض العلاج».
وفي هذا الإطار نوه د. الشحي إلى انتشار ظاهرة «دكتور شوبينغ» في العالم العربي، والتي ظهرت نتيجة عدم اعتماد المريض على طبيب واحد وتنقله الدائم بين الأطباء وهو ما يؤدي إلى تغير العلاج والأدوية في كل مرة لان لكل طبيب طريقته في تشخيص المرض.
خاصة وأن هناك بعض الأطباء يتعاملون مع مرضى المفاصل بالطرق القديمة مع انه يوجد حاليا أدوية قد تغير حياة المريض وتعيد إليه الأمل بالشفاء.
سبل العلاج
ولكن يبقى السؤال ما هي سبل العلاج المتوفرة لهذا المرض؟، وحول ذلك قال د. الشحي: «أولى خطوات العلاج تتمثل في سرعة التشخيص، أما الخطوات الثانية فهي تعتمد على الأدوية.
حيث يوجد حاليا أكثر من عشرة أنواع من الأدوية التي تستخدم في علاج التهاب المفاصل بأنواعه المختلفة وبعضها يمكن أن يعيد المفصل إلى حالته الطبيعية في نسبة ليست بالقليلة من الحالات إذا ما تم اكتشاف المرض مبكراً».
وأوضح أن كل أدوية آلام المفاصل يتم تعاطيها عن طريق الحقن تحت الجلد أو عن طريق الوريد أو عن طريق الفم في صورة أقراص.
وحول دور شركات الأدوية في إيجاد علاجات فعالة للمرض.
قال الشحي: «بلا شك أن شركات الأدوية تعتبر شريكاً أساسياً للطبيب لمساعدته في علاج المريض، فهي لا تتوقف عن إجراء الأبحاث والدراسات التي أفضت خلال السنوات الأخيرة عن إنتاج عدد من الأدوية التي ساعدتنا في علاج المرض.
ففي السنوات العشر الأخيرة ظهرت أدوية نسميها «أدوية بيولوجية» تساعد على إيقاف عمل الإنزيمات التي تهاجم العظام، وهي تصل إلى عشرة أنواع كل واحد منها مخصص لمعالجة طرف معين، وحاليا يتوفر لدينا في الإمارات سبعة أنواع منها أحدثها عقار (الاكتيمرا) .
وأضاف: «نحرص على عقد العديد من الندوات التثقيفية بشكل دائم بالتعاون مع شركات الأدوية، خاصة وأن طب المفاصل لم يكن موجودا في الإمارات قبل 15 عاما تقريبا.
ولا يمكن إنكار جهود هذه الشركات التي تعمل بشكل دائم على عقد الموتمرات المتخصصة للأطباء تحديدا لتعريفهم بجديد أبحاثها ودراساتها، وبالتأكيد انه بدونها لم يكن بإمكاننا التوصل إلى علاج للمرض».
السمنة متهمة
عادة ما تقف السمنة في موقف المتهمة في تأخير علاج العديد من الأمراض، وكما هو معروف بأن نسبة عالية من سكان الإمارات تعاني من السمنة، وبحسب د. الشحي فإن وجود السمنة أو عدمها سيحدث فرقا مهما في سرعة العلاج.
لان ارتفاع الوزن سيؤدي إلى رفع مدة العلاج، ولذلك عادة ما ينصح مرضى «الروماتويد» خاصة ممن يعانون من الوزن الزائد بتناول الأكل الصحي وممارسة الرياضة في الحالات غير الحادة.
وذلك حتى يتمكنوا من تقليل فترة العلاج وتسريعه، وأشار الشحي إلى انه لا يوجد هناك علاقة بين طبيعة الطعام والمرض فلا يفرض على المريض حمية معينة، وإنما تكمن هذه العلاقة في الوزن.
مؤتمر إقليمي لالتهابات المفاصل أكتوبر المقبل
تستضيف جمعية الإمارات لالتهابات المفاصل في 12 أكتوبر المقبل الذي يصادف اليوم العالمي لمرض المفاصل مؤتمراً إقليمياً بهدف لفت أنظار صناع القرار في الدولة إلى مرض التهاب المفاصل، ولتثقيف الأطباء وزيادة خبرتهم حول احدث خطوات العلاج.
وقال رئيس الجمعية، الدكتور وليد يوسف الشحي إن الجمعية ستقوم بمسيرة مشي على الأقدام للتعريف بالمرض ودعم المصابين به، يواكبه عدد من المحاضرات والأنشطة التثقيفية، مؤكدا بأن فعاليات هذا العام ستكون أضخم مقارنة مع العام الماضي.
وذلك لانضمام جمعية الإمارات لمرضى المفاصل وجمعية أصدقاء مرضى المفاصل إلى جمعية الإمارات لالتهابات المفاصل، بهدف توحيد الجهود لدعم مرضى المفاصل.
جدير بالذكر أن جمعية الإمارات لالتهابات المفاصل منذ تأسيسها تنشط في إقامة الدورات التثقيفية وورش العمل في مختلف إمارات الدولة، والتي تستهدف أطباء المفاصل وكذلك المرضى.
غسان خروب

