في أحيان كثيرة تقف الحياة في وجوهنا رغم إقبالنا عليها بشراهة. تسلبنا أعز ما نملك وتبقينا عاجزين لا نقدر على المواصلة. بعضنا يتخطى ذلك بالإرادة، وآخرون يختفون تحت عتمة الضوء.

نقع في مصائب كثيرة دون أن يكون لنا ذنب فيها، وإنما فقط لجهل احدهم أو خطأ يرتكبه من دون مراعاة لما قد ينجم عن ذلك من تداعيات قد تفقدنا الإحساس بطعم الحياة، و«لأن الشكوى لغير الله مذلة» يفضل الكثيرون إبقاء أفواههم مغلقة، يتجرعون مرارة الألم يوميا.

تلك هي مصيبة محمد الذي يتنقل بين ألعابه يتلمسها دون أًن يعرف شكلها أو لونها، تحاول والدته منحه الرعاية الكافية التي يحتاجها دون الابتعاد عنه، فما أن يشعر بذلك حتى يبدأ بالبكاء تاركاً ألعابه.

ينظر إليه والده ومرارة الألم تسيل من بين عينيه، ويقول: «ما الذنب الذي اقترفه ولدي ليحرم من نعمة البصر، ولماذا كتب عليه تذوق الألم يوميا؟لالا» وبألم واضح يروي أبو محمد قصة ولده، فيقول: «انتظرته ووالدته بفارغ الصبر لتسعة أشهر، قضيناها نحلم بتربية ابننا وتنشئته بطريقة صالحة، ولأجله عملت نهارا وليلا لكي أؤمن له مستقبله، فأنا لا أريده أن يشقى في حياته، ولكن يبدو أنني لم أتمكن من حمايته من الشقاء بسبب خطأ طبي ارتكبته الطبيبة المسؤولة عن ولادة زوجتي».

ويواصل: «لم تتسع الدنيا لفرحتنا عندما أطل محمد على الدنيا، حينها لم نكن ندري بأن تلك البقعة الحمراء التي ظهرت في عيني محمد ستخنق فرحتنا، وقد حاولنا أن نبحث عن سبب لها ولكننا لم نجد وعرضته على الطبيب فقال إنها حالة عرضية لا خوف منها.

وزالت مخاوفي اثر اختفائها بعد أيام، لأفاجأ بعد ذلك بأن ولدي لا يرى حركة أصابعي وضحكتي، ولا تستجيب عيناه للضوء، وعلى الفور حملته إلى الطبيب لمعاينته وطوال الوقت أدعو الله أن يخيب ظنوني وأن أكون على خطأ، ولكن لم يكتب لي الله الفرحة عندما انتهى الطبيب من معاينة ولدي ليقول لي إنه يعاني من ضمور في شبكة العين التي أزيحت من مكانها أثناء عملية الولادة، وهذه الحالات عادة تكون نتيجة لاستخدام آلة الشفط بشكل خاطئ أثناء الولادة».

للوهلة الأولى لم يستوعب أبو محمد حديث الطبيب، فقد أيقن بأن ولده سيكون ضريرا، لم تشعر والدة محمد بدمعتها وهي تسيل فقد أظلمت الدنيا أمامها ولم تجد نفسها إلا في المستشفى، فهي لم تتحمل وقع الصدمة.

حاول أبو محمد العودة إلى المستشفى الذي ولد فيه محمد ليفهم منهم كيف استخدمت آلة الشفط، وهناك أنكرت الطبيبة ذلك وحملته مسؤولية إهماله لولده، مدعية بأن يكون الولد قد تعرض إلى ضربة قوية على رأسه أفقدته البصر، وهو ما جعل أبو محمد يثور في وجه الطبيبة، ويهددها باللجوء إلى القضاء، وبالفعل ما أن خرج من المستشفى حتى توجه إلى احد المحامين الذي سأله عن المستندات التي تثبت صحة أقواله.

فلم يجد ما يدافع به عن نفسه وولده، ولم يكن في يده إلا أن يسلم بما حدث، وأن يبدأ رحلة البحث عن علاج لابنه مهما كانت التكاليف، ولم يكن أمامه سوى شبكة الانترنت ليجد فيها أن أحد المستشفيات في الهند تيدم علاجا لحالات شبيهة، ليبدأ بعدها بمخاطبة المستشفى والتحضير للسفر إلى الهند، وما إن وصل هناك حتى اعتذر له الطبيب عن حالة ولده فلا علاج لها، لعدم إمكانية ترميم الشبكية بأي شكل من الأشكال، ليعود إلى الدولة محملا بخيبة الأمل.

وما أن أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عن حملة نور دبي، حتى استبشر خيرا، ولكنه سرعان ما عاد إلى ألمه بعد أن أكدت الطبيبة.. لا يوجد علاج لولده، فالحالة من النوع المعقد جدا، وخرج من هناك محملا بسلامات الطبيبة وتمنياتها بأن يكون في المستقبل علاج لمحمد.

قبل أيام تخطى محمد عتبة العامين والنصف، وما زال والده يتسلح بالأمل، ويواصل البحث في الانترنت عن علاج لحالة ولده، عله يجده في احد الأيام، فيتمكن من إعادة البصر لولده المحروم من رؤية لعبته، ووجه والديه وأجداده.

غسان خروب