تغيب الكلمات العربية بين طغيان الانجليزية أو لهجة الخادمة، عبارات ركيكة ومفردات خالية من المعاني يضيع معها المتلقي ولا يستوعبها، فتفقد للأسف لغتنا هويتها المحلية بمبالاة مقصودة ترتكبها بعض الأسر التي تحرص على تغذية فكر أبنائها منذ الصغر بعبارات ومفاهيم أجنبية.

تغرس في عقولهم لتصبح زادهم المعرفي في الحياة، فينهلون منها ولكنها في النهاية لا تؤتي نتائج طبية، ليضطر بعدها العودة إلى الأصالة والغرف من التراث العربي، فهو الأساس وهو العابق بالكلمات الهادفة والعبارات الجميلة.

عربية غير مفهومة

أبناؤنا الناطقون باللغة العربية غير المفهومة نراهم في كل مكان، وما يزيد الأمر حسرة أن نراهم مع الخادمات في المستشفيات والحدائق والأسواق والمرافق العامة وغيرها، وهنا يتبادر إلى الذهن دور الوالدين نحو أطفالهم، هل أصبحت الخادمة هي المسؤولة عن التغذية والتنشئة والرعاية والضبط الاجتماعي؟.

ولماذا توكل لها تلك المهام طالما الأم موجودة في المنزل؟، وما الذي يشغلها عن الاهتمام بأطفالها، ولماذا أصبحت المرأة العاملة غير قادرة على الوفاء بالتزامات العمل ورعايتها لأسرتها؟.

أسئلة كثيرة لا بد أن تطرح في سياق إيفاء الأسر بالواجبات والحقوق الضرورية تجاه الأبناء، والدور الذي يجب أن تقوم به الأم سواء العاملة أو ربة البيت في تربية أبنائها.

«البيان» رصدت ظاهرة ترك الأبناء في رعاية الخدم، وتعرض قصصا واقعية أحداثها معقدة ومتشابكة وأبطالها أولياء أمور تخلوا عن أدوارهم التربوية وأوكلوها للخدم.

مفارقات عجيبة

قالت أسماء عبد الله معلمة رياض أطفال: إنه ومن واقع تعاملي مع أولياء أمور الطلبة أرى بأن بعض الأمهات غير العاملات اقل اهتماما بتربية ورعاية أبنائهم، مشيرة إلى أن بعض أولياء الأمور لا يقيمون وزنا ولا اعتبارا لأهمية وجودهم مع أبنائهم.

على الرغم من حاجة الطفل لذلك، جنبا إلى جنب مع عدم وعيهم بضرورة توجيههم وتعليمهم وتدريسهم، حيث تبين لها من خلال تواصلها مع إحدى الطالبات أنها لا تعي اللغة العربية ولا تستوعبها نظرا لاعتمادها على الخادمة.

على الرغم من أن والدتها لا تعمل ولكنها متفرغة للعلاقات والمجاملات الاجتماعية، كما أنها لا تبذل أي جهد للتقرب من أبنائها على الرغم من أنها تعد اقرب أفراد الأسرة للأبناء في ظل انشغال الأب خارج البيت، ولكنها غارقة في الأمور الحياتية تاركة مسؤولية تربية أبنائها للخدم، فلكل طفل خادمة تهتم بشؤونه.

وأضافت المعلمة أسماء أن اللافت في الموضوع أن الطالبة مجتهدة ومرتبة وذلك بفضل الخادمة التي تحرص على الاهتمام بها، ولكنها لا تتكلم اللغة العربية وتجتهد بدورها كمعلمتها بالتحدث معها باللغة الانجليزية، ومن المفارقات العجيبة التي مرت عليها قيامها بتدريس أخي الطالبة في العام الماضي.

حيث كانت لديه خادمة خاصة ولكنها لم تحسن تربيته، فكان لا يستطيع التحدث بالعربية أو الانجليزية سوى لغة الخادمة، الأمر الذي عانت معه كثيرا في سبيل استيعاب احتياجاته ورغباته أو فهمه، كما كانت لديه تصرفات عدوانية تجاه الآخرين، الأمر الذي يعكس عدم الاهتمام به وتوجيهه من قبل والديه.

صعوبة الكتابة

وأشارت شيخة عبيد ؟ معلمة متقاعدة إلى أن مشاكل النطق تؤثر بصورة مباشرة على الكتابة، فإذا واجه الطالب صعوبة في فهم اللغة سينعكس ذلك على كتابته بلا شك، والأمثلة حول هذا الموضوع كثيرة.

ولكن يجب إلقاء اللوم على أولياء الأمور الذين يضعون الاهتمام بالوظيفة في قائمة أولوياتهم، مفرطين بذلك بالدور الأساسي لتربية الطفل منذ الصغر.

فلا بد من تخصيص أوقات يتواصل الطفل مع والديه ويتعلم منهم اللغة العربية ومن ثم اللغات الأخرى، ولكن اعتماد بعض الأسر على الخدم للأسف يزيد من حجم المشكلة، والأدهى أن بعض الأمهات العاملات يتركن أطفالهن في رعاية الخادمة طوال اليوم، ويتمادين في ذلك لدرجة السماح لأطفالهن النوم مع الخادمة في غرفتها، وهذا مؤشر على قوة العلاقة التي تربط الطفل بالخادمة وحفظه للهجتها.

تفريط الأمهات

وذكرت أم خالد موظفة أنه وعلى الرغم من أهمية عمل المرأة في الوقت الراهن، إلا أن هناك تفريطاً من قبل بعض الأمهات سواء العاملات أو ربات البيوت في الاهتمام بأبنائهن، حيث إنها وخلال زيارتها لإحدى العيادات رأت طفلة مريضة برفقة الخادمة.

إلا أن الطبيبة رفضت اتخاذ الإجراء اللازم نظرا لأهمية الموقف الذي يستدعي تدخلا من والدة الطفلة وسؤالها عن السجل الطبي للطفلة لصرف الدواء اللازم أو حتى معرفة بعض التفاصيل عن الطفلة بشكل عام.

وذلك بعد أن وجدت عدم دراية الخادمة بتلك الأمور، وتساءلت أم خالد عن الأسباب التي تمنع بعض الأمهات عن مرافقة أبنائهن للمستشفيات مع الإشارة إلى إحساس ورغبة الطفل بوجود والدته معه في هذه اللحظات، فكيف سيتعلم الطفل أساسيات اللغة والنطق في ظل التصاقه بالخادمة.

وعي بالتربية

وقالت خولة عبد الله ربة بيت إنها آثرت ترك الوظيفة والجلوس في المنزل لتتفرغ في تربية طفلتها، مشيرة إلى أنها لم تجد من يعتني بطفلتها في حال تفضيلها العمل على البقاء مع الطفلة، وعلى الرغم من وجود الخادمة معها في المنزل، إلا أنها تقوم بكافة سبل الرعاية والعناية بالطفلة تاركة أمور التنظيف والترتيب للخادمة.

قائلة إن هذا دور الخادمات، ففي السابق يتم الاستعانة بالخدم للتخفيف عن ربة البيت وليس لتربية الأبناء، ولكن انعكست الصورة خلال الوقت الراهن، حيث تقوم غالبية الأمهات العاملات بترك أطفالهن لدى الخدم والتوجه إلى العمل، وتوكل إلى الخادمة تربية الأبناء إلى جانب الاهتمام بشؤون المنزل من إعداد الوجبات وتنظيف الغرف وغسل الملابس وغيرها.

وأضافت انه من البديهي تعلق الطفل بالخادمة، على اعتبار أن الطفل ترتكز في ذاكرته المدة التي يقضيها مع الخادمة في ظل غياب الأم، فيسعى إلى التواصل مع المحيطين به ويجد الخادمة تقوم برعايته وتهتم بشؤونه، كما لا تحرص بعض الأمهات على تعويض الطفل عن المدة التي غابت فيها عنه.

بل تحظى بعضهن بقسط من النوم بعد عودتها من العمل، لافتة إلى أن الموازنة بين متطلبات العمل وتربية الأبناء باتت صعبة ومن المستحيل الوفاء بالتزامات الوظيفة على أكمل وجه، ورعاية الأسرة في آن واحد على اعتبار أن لكل منهما مهام كثيرة تتطلب وقتا وجهدا وسهرا.

دبي - نادية إبراهيم