«اطلب العلم من المهد إلى اللحد».. تأكيد على حق بشري في العلم والمعرفة، لا تلغيه سنوات العمر الكثيرة ولا حتى ظروف الحياة الشائكة، لأن للعلم نور لا يبهت بريقه مهما كانت الأسباب والمعوقات.

الحاجة لطيفة سالم، مواطنة من دبي تبلغ من العمر 66 عاماً، وهي أم لـ خمسة أبناء وجدة لـ 31 حفيداً، ولها من أحفادها خمسة أبناء أيضاً.. أقبلت على الحياة طفلة ثم زوجة ثم أم وحفيدة، وقد أمضت عشرات السنين من عمرها ترسم ملامح سعادة لا تغيب عن وجوه أفراد عائلتها الممتدة.. اجتهدت في سنوات صعبة لتربية أبنائها، وها هي اليوم تقف فخورة بإنجازات الأبناء والأحفاد العاملين في مختلف المجالات.

لا تؤمن الحاجة لطيفة بمقولة تراها تنتقص من أسباب الثقة والمعرفة، وهي «بعد ما شاب أخذوه الكتّاب»، لأن العلم لا يقف حكراً على صغير دون كبير، وهي على يقين أنها جاءت إلى المدرسة بعد هذا العمر لسبب أكبر بكثير من أن يلومها أحد على ذلك.

الحاجة لطيفة الستينية في العمر تدرس الآن في الصف الأول تأسيسي في مركز قرطبة للتعليم المسائي في دبي، التابع لوزارة التربية والتعليم والذي يوفر الدراسة المسائية لمختلف الفئات التي لم تطق عليها صباحاً، والحاجة ربما هي الأكبر بين الدارسات على مستوى الإمارة وحتى الدولة.

هذه الجدة عادت إلى مقاعد الدراسة في مستوى أبناء أحفادها، وهي لا تأبه إلى انتقاد أحد أو استغراب آخر، بل على العكس من ذلك تجدها متحفزة دائماً من أجل الاقتراب من هدفها التعليمي الذي تصر عليه دوماً.. بالتأكيد هي لا تريد شهادة الثانوية العامة لتدرس الطب أو الهندسة، أو لتلتحق بوظيفة حكومية أو خاصة، لأن عمرها لا يقبل ذلك.

الحاجة لطيفة قالت لـ «البيان» إنها أرادت لنفسها بصيصاً من العلم والنور لتكمل به ما تبقى لها من سنوات العمر.. تصر على تعلم القراءة والكتابة قليلاً على أمل أن تتمكن من تلاوة القرآن الكريم على نحو يليق بكتاب الله، هكذا قالت الحاجة لطيفة المقبلة على التعليم وهي فوق الستين.

مثال وقدوة

مديرة مركز قرطبة المسائي في دبي فاطمة مالك، أكدت أن الحاجة تعد المثال والقدوة الحسنة لجميع الدارسين والدارسات، فهي منذ انطلاقة العام الدراسي الحالي وحتى اليوم لم تغب يوماً أو حتى تتأخر عن الدراسة.

كما أنها تحرص بشدة على المشاركة داخل الفصل والإجابة على أسئلة «الأبلة»، وفي المقابل تمنحها المعلمة ثقة إضافية في كل مرة تشارك فيها وتجيب عن سؤال، حيث تجبر زميلاتها الدارسات معها على التصفيق لها بحرارة، وإلى الآن لا تزال الحاجة لطيفة تواظب على الدراسة والمذاكرة والمشاركة في الفصل، بروح حماسية لم يسبق أن وجدت لدى دارسة سواها.

بداية كل يوم دراسي تصر الحاجة لطيفة على التأكد من أن «الأبلة» قد ذكرت اسمها ضمن الحاضرات، ولحسن حظها فهي مسجلة كما تقول مديرة المركز، عند واحدة من أفضل المعلمات وهو ما يمنحها الثقة مبكراً للتمكن من الإمساك بمفاتيح التعلم في أقصر مدة زمنية.

كواحدة من الدارسات في مركز لتعليم الكبار في دبي، تحتفظ الحاجة الستينية بالكثير من الأسرار والمواقف الحياتية التي لا تغفلها ذاكرة، فهي عايشت في بيت واحد 4 أجيال متعاقبة، وبالتأكيد وبحكم الواقع الدراسي الذي ارتضته لنفسها بعد سنوات كثيرة من العطاء والتضحية، فهي تحتضن طموحاً أكبر بكثير من أن تظل العجوز الجالسة على حافة البيت.

وتؤكد الحاجة لطيفة سالم أن أبناءها وأحفادها يكنون لها مزيداً من مظاهر الحب والاحترام، والجميع حريص على إرضائها بما تريد، لا يقفون في وجهها ولا يرفضون طلبها ولا يبخلون عليها بشيء، وذلك الواقع بالتأكيد أهلها لأن تمتلك زمام المبادرة وتعود بعد هذا العمر إلى مقاعد الدراسة، وها هي اليوم تجلس إلى جانب زميلاتها الصغار وتقاسمهن ملامح دراسية ستبقى خالدة في ذاكرة أجيال متعاقبة.

الجدة لطيفة؛ وبعد أن أكملت مهمتها الاجتماعية والعائلية كأم وجدة ومربية، عادت بدافع وحيد إلى مقاعد الدراسة.. كتاب الله جل وعلا يستنهض فيها حس العلم والتعلم بعدما طوت السنوات من ذاكرتها أدنى ملامح الدراسة والمعرفة كما يتوقع الكثيرون، لكنها تملك لما تبقى لها من سنوات مزيداً من الإصرار والمثابرة والوصول إلى قراءة وتدبر آيات القرآن الكريم.

الجدة لطيفة تدرس الآن في صفوف أحفادها وأبناء أحفادها، وفي البيت تجد تشجيعاً لا يصمت من الأبناء والبنات والأحفاد، الجميع يتمنى لها المواصلة والتقدم وهم في أقصى درجات السعادة والافتخار..

وفي المدرسة تجد الحاجة لطيفة معاملة أخرى أكثر تعبيراً، فالمعلمات من أعمار بناتها وأحفادها، وزميلاتها الدارسات كذلك، أما المديرة فهي تعتبر الحاجة لطيفة أم المدرسة وروح العلم، وفي حالتها تجد حساً تشجيعياً صاخباً، وهو ما يمنح الجميع ثقة المواصلة والتضحية دون كلل وملل.

ظهر كل يوم تجلس الحاجة لطيفة إلى جانب أحفادها تذاكر معهم وتتعلم منهم كيف تستعد للدرس المقبل، وهي تسعى بكل طموح لمواصلة تعليمها حتى ترضي فضولها، ولا تجد حرجاً في أي فعل تقوم به، وعند المساء تأتي إلى المركز بحيوية ونشاط وتستعد لمواصلة قصة طموحها بلا كلل أو ملل.

تقديرا للمرأة في يومها العالمي

تواصل «البيان» الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي يصادف الثامن من مارس من كل عام، وهو يقع أيضاً بين عيدي الحب والأم، ما يعني تقدير المرأة بفضل تحقيقها حضوراً بارزاً ومتميزاً في العديد من القطاعات المختلفة.

في كل عيد تُقدّم للمرأة باقة من الزهور، أو هدية، تنمّ عن المودة والتقدير لها، فالمرأة هي الأم بالدرجة الأولى، وهي تستحقّ أن تكون كلّ أيامها أعيادا، وهي الزوجة التي بدونها لا تكون الأسرة ولا يكون المجتمع، وهي الأخت الحنون والابنة التي تزيّن البيت.

وهي كذلك زميلة العمل التي تتعاون في بناء المؤسسات والمجتمع.. المرأة هي نصف المجتمع، فهي تشارك الرجل مشاركة فعالة في جميع ميادين الحياة.

دبي ـ عنان كتانة