واقف عند مجرى السيل، متأملاً الرواسي بين صبغتيها الرمادية.. والخمرية، بعدما اغتسلت بالمطر، ووجهت الوادي لتأخذ النخيل منه نصيبها، ثم يواصل سبيله نحو البحر، أو يستقر في السد.
واقف على مشارف النهار ينظر إلى كنوز الأرض المتحصنة بالجبال، حاملاً قلق الحريص على النخل، واطمئنان الواثق من رحمة الله.
جيل لم يبتعد عن بيئة الجدود، متشبث بجذوره الراسخة في صلابة الأرض، يخلد في أحضانها بعد المغيب، ويلهو في سيحها المشدود كلما نهضت الشمس في طريق مدرسته، تصقل خطواته حصوات جبلية متناثرة من السفوح حادة وملساء، تنقش في قدميه أوتاداً عظمية تثبتها على يقين الانتماء.
جيل لم تغره المدن المبهرجة بالأنوار والألوان، ولم تجذبه لوهم الراحة كما فعلت بآخرين.. فلم يتبرأ من غابات النخيل، ولم تنكره أشجار (الهمبا) المانجو و(اللومي الحلو والحامض) الليمون و(الترني) الأترج و(الزيتون) الجوافة و(الفيافي) الببايا، وغيرها مما جاد وما زال يجود به ريف الوطن. هكذا يقف فتى..
تشع النظرة في عينين وفيتين لما زرعه الآباء، في انتظار يوم الجني حين يحل موعد الحصاد، فتكرمه الأشجار وتغدق من ثمارها سلالة أزلية، يتوارثها كما ينبغي لها أحفاد الأجداد من الآباء، وتبقى الأرض أمانة في أعين وأعناق الشباب.
فاطمة الهديدي
