في غرفة تعبق منها رائحة الأيام الغابرة، تعيش «امرأة المهباج والقهوة العربية»، كما يعرّف عنها جيرانها ببلدة دير كيفا جنوب لبنان، وحيدةً مع 20 قطّة.

اسمها الحقيقي رباب نور الدين.. ختيارة على عتبة السبعين من عمرها، ترفض التفكير بالحاضر أو العيش في المستقبل كي لا تخسر ماضيها.. أما منزلها، فهو يعود إلى ما قبل 100 عام، لم تبدّل أي شيء في داخله، بل تركته على حاله حين فارق والداها الحياة، لتعيش مع «الذكريات الجميلة»، كما تقول، ف«كل شيء تغيّر، منشان هيك بحتفِظ بالماضي».

باب خشبي عتيق يفضي إلى غرفة بسيطة كل شيء فيها قديم.. المطبخ كان اسطبلاً للخيل، والحمام في الخارج.. وفي داخل الغرفة، سقف تتدلّى منه «الكبكبة»، وهي سلّة من القشّ كانت تُستعمَل لحفظ الأطعمة، مغطاة بما يشبه «الطرْحة» البيضاء.. كتب قديمة يعود عمرها إلى مئتي عام.. و«صندوق العروس» العائد إلى والدتها لم يغادر مكانه.

صورة والدها الذي كان من «وجهاء البلدة» معلّقة على الجدار، إلى جانب صورة ل«زعيم تركي» نسيت «الحاجة رباب» اسمه، لكنها تعرف أنه كان «ملك تركيا الذي عشق العرب».

وقد اشترى والدها الصورة التي تعود إلى أكثر من 100 سنة ب10 ليرات عثمليّة، ولذا رفضت بيعها ب1000 دولار أميركي إلى أحدهم وطلبت منه 5000 دولار، و«حطّيتلّلو العصي بالدواليب، متل ما بيقول المثل، لأنو الصورة غاليي على قلبي وما بدّي بيعها».

تبتسم «الحاجة» باعتزاز، وهي تشير إلى صورة «أحمد بك الأسعد» (أحد الزعماء القدامى في جنوب لبنان)، معلنةً بوضوح انتماءها السياسي.. وذلك، قبل أن تنتقل بلهجتها التراثيّة البسيطة للحديث عن المهباج «الأقرب إلى قلبها»، والذي ورثته عن أبيها، وتقول: «كل بنات الضيعة بيجوا لعندي حتى يشربوا القهوة العربية المظبوطة.. بدقّها منيح، وبغليها عدّة مرات، وبصفّيها من دلّال (إناء القهوة) لدلّال».

بيروت ـ وفاء عواد