للطبيعة أثرها الواضح على سكان أهل الإمارات، وما زال البعض منهم يعيش على ما تقدمة هذه الأرض من خيرات، فإن نفحات من الحنين الدافق تنقلهم إلى الماضي القريب، حيث الحياة البسيطة والأجواء الهادئة والطبيعة المعطاءة، التي عاش فيها ابن الإمارات في الماضي وأقلم حياته على ما تجود به الأرض من خيرات. بل وسخرها لتتناسب مع احتياجات حياته الغذائية والصحية والمعيشية.

مواسم ونجد أن عطاء هذه الأرض القاحلة يزدهر مع انتهاء موسم الأمطار الموسمية، إذ تنبت الأرض أعشابها وتمنح الأرض سكانها ثماراً فطرية لذيذة، وتحتضن صخور الجبال في المناطق الشرقية من الإمارات وحبيبات الرمل طيفاً واسعاً من النباتات البرية والأعشاب الصحية.التي شكلت لسكان تلك المناطق ولأهل الإمارات في الماضي غذاء موسميا لذيذا ومخزنا صحيا من الأدوية العشبية، فنجد أن سكان المناطق الجبلية يحرصون دائما على اغتنام فرصة اخضرار الأرض بعد موسم المطر لجني نباتات الجبال البرية الموسمية التي تجعل من تلك المناطق منتجعات صحية تقدم أصنافاً من الأعشاب الطبية.

ويروي لنا الوالد عبد الله الغانم الحميدي من منطقة الحير إحدى المناطق الجبلية بإمارة الفجيرة، قصة كرم الطبيعة مع سكانها، مشيراً إلى أن موسم الربيع الحالي يعد من أغنى مواسم السنة التي تجود على الإنسان بطيف من الأعشاب والنباتات البرية الصحية التي مارست دور المستشفيات والمراكز الطبية في الماضي.

فالطبيعة الجبلية غنية بالنباتات المفيدة. ومن أشهر تلك الأنواع «الخنصور، الصخبر، الجعدى، الحرمل، الظفر، الضال أو المهتدي، والشوع، الشكاع، السريو، العشرق، الحووه» وهي من النباتات التي تنمو في الجبال، في حين أن المناطق الرملية تزدهر بأنواع مثل «الأرطى، والطرثوث، الأشخر،والدغبوس، والصقل أو الصبار».

علاجات طبية

وفترة الربيع وخضرة الأرض هي موسم حصاد لأغلب تلك الأنواع، رغم توافر أغلبها طوال العام إلا أنها تينع في هذه الفترة. فيقول عبد الله الغانم إننا نحرص وبصورة سنوية على جمع النباتات البرية من سفوح الجبال والوديان والصحاري والتلذذ بطعمها خصوصا في موسم ما بعد المطر إذ تكون أوراقها وسيقانها مخضرة ومتشبعة بالماء.

فأغلب تلك الأنواع نأكلها بصورة مباشرة أو نقدمها على هيئة سلطة على موائدنا ومنها الحماض ،الخنصور، السيداف. وهناك الأنواع العشبية التي تطبخ لبعض الأمراض المعوية مثل «الصخبر» المستخدم لعلاج الإسهال الزائد، و«اليعدى» أو الجعدى المطبوخة التي يشرب ماء أعوادها لعلاج المغص والمشاكل المعوية. كما يمكن أن تؤكل عيدانه الخضراء كسلطة صحية رغم الطعم المر الذي يطغى على أغلب النباتات البرية.

كما تجفف اليعدى والحرمل وتستخدم كبخور معقم أو مطهر للأماكن المتعفنة أو لتبخير الأشخاص وقت إصابتهم بالأمراض المعدية مثل الحصبة والجدري وغيرها، إذ تعمل أبخرة هذه النباتات كمعقم وقاتل للبكتيريا الضارة. ونبات الأشخر والعشرق الجبلي يستخدم لعلاج الحبوب الجلدية.

وتدخل بعض الأنواع مثل «الظفر والضال» أو ما يطلق عليه بالمهتدي في علاج الكسور وصنع الجبيرة عن طريق تجفيف هذه النباتات وطحنها وعجنها مع القليل من شعر الغنم ووضعها على أماكن الكسر، إذ يلتحم بعد فترة وجيزة مشكلا جبيرة صلبة تقوم إصابات الكسور. ويشرب عليها مطحون عشبة السريو مع الحليب لتقوية العظام من الداخل.

وتتباين أهمية النباتات إذ كانت الأعشاب الجبلية مصدرا طبيا لكافة المشاكل الصحية التي يعاني منها الناس حتى الحالات الطارئة مثل لدغات الأفاعي والعقارب السامة التي يستخدم لها شراب نبتة «المخيسة» لتفكيك مفعول السم في الجسم.

مخاطر تهدد بعض الأنواع

يقول الحميدي إن النباتات البرية لا تتأثر بـ «المحل» أي شح المياه والجدب إذ تتجاوز فترات الجفاف في أغلب فترات العام. إلا أن هناك عوامل أثرت بصورة مباشرة على قلة ظهور بعض الأنواع وندرتها في المناطق البرية. ومن هذه العوامل يد الإنسان نفسه حيث أن البعض لا يملك الوعي والمعلومات الكافية عن النباتات المفيدة وعن طريقة التعامل مع قطفها بصورة تحافظ على بقائها.

فتدخل بعض الأفراد من الجاليات الأسيوية في جني الأعشاب والنباتات البرية بهدف المتاجرة بها في السوق دمر بعض الأنواع خصوصا نبات الخنصور الذي إذا ما اقتلع من مكانه لا يرجع إلى المنطقة نهائيا، فالطريقة الصحيحة لتقطف هذه النبات البري هي كسر الأفرع أو اقتصاصها مع الإبقاء على الجذور في الأرض لتعيد بناء نفسها.

بالإضافة إلى بعض العوامل البيئية مثل التلوث وانتشار الكسارات التي قضت على مساحات واسعة من مواطن هذه النباتات. وقللت من حدة انتشارها.

ابتسام الشاعر