أظهرت دراسة إحصائية أعدتها هيئة الصحة في دبي أخيراً أن «الشباب في الفئة العمرية بين 19 إلى 26 عاماً، هم الأكثر إصابة في حوادث الطرق وذلك خلال السنوات السبع الأخيرة» في حين «كانت الفئة من 18 إلى 35 عاماً، الأكثر وفاة في حوادث الطرق في دبي»، معتبرة «سبب ذلك هو تجاوز السرعة، وقلة الخبرة، والتهور في القيادة».

وبينت الدراسة أن «معظم الحوادث تنتج عنها إصابات بسيطة إلا أن نسبة الوفيات بلغت 9% من إجمالي الإصابات، وأكدت بأن 55% من حوادث الطرق في الإمارة تخلف إصابات لـ 70% من الركاب، و25% من المشاة».هذه النتائج جاءت بعد قيام فريق الدراسة بالتدقيق في الحوادث المرورية التي شهدتها دبي في الفترة الواقعة بين 2000 و 2008، حيث أظهر الفريق بأن شارع الشيخ زايد ويليه شارع الإمارات من أكثر الطرق التي تشهد حوادث مرورية سنويا، وأكدت الدراسة أن الإمارة سجلت 3433 إصابة، و294 حالة وفاة ناتجة عن حوادث الطرق في عام 2008.

ولفتت إلى وجود ما يقارب المليون سيارة مسجلة في دبي، إضافة إلى نحو مليون ونصف المليون رخصة قيادة معتمدة لدى إدارات المرور في دبي، وهو ما يجعلها أرقاما قياسية نسبة إلى عدد السكان، ومساحة الإمارة.بلا شك هذه الأرقام والإحصائيات تشير إلى عمق المشكلة التي يقع فيها الشباب، ورغم قناعتنا بأن «الأعمار بيد الله» إلا أنه يبقى هناك مجال للحد من هذه الحوادث وتقليل نسبتها إلى الحدود الدنيا. ولا ننكر جهود شرطة المرور ليس في دبي وحدها وإنما على نطاق الدولة، والتي تسعى جاهدة لتقليل نسبة الحوادث، من خلال إتباعها أساليب عدة شكلت في مجملها روادع مهمة لمستخدمي الشوارع. ورغم ذلك ما زلنا نشهد وقوع حوادث بشعة يذهب ضحيتها شباب ما زالوا بعمر الورد.

ولتسليط الضوء على هذه الظاهرة التقينا بمجموعة من طلبة كلية دبي التقنية في جلسة حوارية، ابتعدنا فيها عن أسباب الحوادث التي تتلخص في عدم الانتباه، وعدم ترك مسافة كافية، والسرعة العالية وغيرها، وفضلنا الاقتراب من حلول لهذه المعضلة، ترى كيف يعالج هؤلاء الشباب هذه الظاهرة؟

تشديد العقوبة

البداية مع علي بو دبس، مسؤول قسم الأمن في الكلية والذي قال: «عندما بدأت عملي في قسم الأمن في الكلية حاولنا التحدث مع الشباب وتقديم النصائح لهم، ولكن ذلك لم يسهم في تقليل الحوادث، فخلال العام الماضي سجلنا 15 حادثا تقريبا وكانت بسبب السرعات العالية والوقوف وسط الشارع دون مبرر وعدم ترك مسافة كافية بين المركبات، وقد خلفت هذه الحوادث إصابات تراوحت بين متوسطة وبليغة.

ولكن مع بداية هذا العام وبعد قيامنا بتشديد العقوبات، وفرض الغرامات على السيارات المخالفة وزيادة عدد المطبات في الشوارع لاحظنا أن نسبة الحوادث قلت بصورة كبيرة، حيث لم نسجل حتى الآن سوى حادثين فقط، ونأمل أن يتوقف الرقم عند هذا الحد»، ويؤكد بودبس أن أكثر الشباب عرضة للحوادث لديهم هم الذين يقعون في الفترة العمرية بين 18 و 19 عاما، أي طلاب السنة التأسيسية في الكلية.

وأشار إلى أن شرطة دبي قد أعطت مسئولي الأمن في الكلية الحق في مخالفة المركبات المخالفة للقوانين سواء في حرم الكلية أو محيطها.

من جهة أخرى، قال بو دبس معتقدا: «إن زيادة وتكثيف عدد المطبات في الشوارع الداخلية بين الأحياء السكانية، ستساهم بشكل فعال في تقليل نسبة الحوادث التي تقع في هذه المناطق، وذلك لان المطبات ستعمل على تقليل سرعة السيارة التي تكون سببا رئيسيا في معظم الحوادث المرورية».

وأضاف: «أما بالنسبة للشوارع العامة فسيكون تشديد العقوبة بحق المخالفين من أفضل الحلول لتقليل الحوادث المرورية عليها»، وهو يرى بأنه لا يكفي ارتفاع قيمة المخالفة، إنما تغليظها على الشباب المستهتر بحياته وحياة الآخرين.

رقابة دائمة مع دور الأسرة

ولكن هل يمكننا اعتبار تشديد العقوبة حلا كافيا لهذه المعضلة؟ في ذلك يقول سعود العبدولي مقدرا: « أن هذا حل جيد لأنه يعطي انطباع للسائق بوجود مراقبة دائمة عليه، وندرك تماما أنه لا يمكن لدوريات الشرطة التواجد في كافة شوارع الإمارة ومراقبتها، ولكن يمكن ذلك من خلال وضع كاميرات المراقبة التي تشعر السائق بأنه مراقب طوال الوقت.

وهذه الكاميرات يجب ألا تختص بالسرعات فقط وإنما بالسيارات وتصرفات سائقيها على الشوارع»، وأكد العبدولي أن تفعيل دور الجمهور بحيث يكون أفراده بمثابة عين ثالثة للشرطة على الشوارع، سيشعر السائق بأنه مراقب أيضا من قبل الآخرين، الأمر الذي يمنعه من ارتكاب أية مخالفة قد تؤدي إلى التسبب بحادث مروري».

أما بطي الفلاسي فإنه يرى: أن هذه المعضلة لا تحل بالشدة لأنها قد تنقلب إلى مضرة، مؤكدا أنه «يجب ألا ننسى بأن لرب الأسرة دور فعال في تربية أبنائه، وبالتالي فان مراقبته لابنه من حيث استعماله للسيارة مهمة جدا، وبناء عليها يقوم بتوجيهه نحو الطريق الصحيح»، وأضاف الفلاسي:

«المشكلة الحقيقية تكمن في أن الكثير من العائلات تقوم بشراء السيارات الرياضية الحديثة لأبنائها بمجرد حصولهم على رخصة القيادة، ويتناسون بأن الشاب في هذه المرحلة بلا خبرة فيكون شغوفا بالسرعة العالية، وأن هذه السيارة تلبي رغباته هذه، وقد لا تكفي رادارات السرعة لردعه لان الأب سيتكفل بدفع قيمة المخالفات مهما كانت عالية.

ولذلك أرى أن الوعي يجب أن يبدأ عند الأهل في البداية ثم ينتقل إلى الشباب»، وأشار الفلاسي إلى أن كثرة الفراغ لدى الشباب وقلة جلوسهم في المجالس، وعدم وجود جهات تضبطهم ذلك ما يدفعهم إلى الخروج إلى الشارع لتمضية وقت فراغهم، وهنا تكمن الكارثة».

سهولة رخص القيادة

من جهته قال خالد حسن الفراج: «قد يكون منع الحوادث المرورية في الأحياء السكانية أسهل بكثير من منعها على الشوارع العامة، ولكن تبقى هناك حلول لتقليل نسبتها على هذه الشوارع، وقد بدأت الشرطة بخطواتها في هذا السبيل مثل تكثيف الرادارات والدوريات على هذه الشوارع».

وواصل خالد:«اعتقد أن هناك حل آخر وهو عدم تسهيل الحصول على رخص القيادة، ويمكن ربطها بقيمة الراتب الشهري، ورفع السن القانونية للحصول على الرخصة، ويمكن أيضا رفع قيمة التأمين المفروض على الشباب بحيث يكون مضاعفا مقارنة مع أولئك الذين تخطوا سن 21 عاما».

لقد أثار هذا الاقتراح جدلا بين الشباب الذين اعتبروا أن رفع السن القانونية سيزيد من نسبة الحوادث معللين ذلك بأن تعقيد الحصول على الرخصة سيجبر شريحة من الشباب على القيادة دونها، وبلا شك أن ذلك سيربك قيادته على الشارع لقيادته المخالفة ولمحاولته الهروب من دوريات الشرطة المتواجدة في كل مكان، الأمر الذي سيجعله قنبلة موقوتة تتحرك على الشارع.

وهناك إجماع على ضرورة توحيد إجراءات الحصول على رخصة القيادة على مستوى الدولة، وذلك لان الكثير من الشباب يتوجهون نحو الإمارات التي تسهل الحصول على رخص القيادة، ورأوا أن رفع الرسوم للحصول عليها سيقلل من نسبة الحوادث المرورية.

ورشات تزويد السيارات

أحمد بلهول لا يجد خطأ في توسيع الشوارع لأنها تشكل ايجابية، وقال: «لا شك أن وجود الشرطة في حرم الكلية أو حتى في شوارع معينة سيقلل من الحوادث، لأن وجودها سيكون رادعا، ولكن بمجرد أن يتحرر الشاب من عين الشرطة سيزيد من سرعته ونبدو وكأننا لم نفعل شيئا، ولا ننكر بأن الرادارات والكاميرات قد ساعدت على التقليل من نسبة الحوادث، ولكنها لم تحل المشكلة من جذورها» ويواصل بلهول:

«بتقديري أن المشكلة الحقيقية تكمن في ورش تزويد السيارات، لان وجودها سيشجع الشاب على تقوية محركها وزيادة سرعته التي يمارسها في الشوارع خاصة الخارجية منها، ولذلك اعتقد أن منع هذه الورش من العمل سيؤدي إلى حل جزء كبير من المشكلة، ونحن ندرك أن التزويد ممنوع بحكم القانون.

ولكن المخالفة تكون على الشاب وليست على الورشة التي لعبت في محرك السيارة، ولذلك يجب أن تبقى هذه الورش مكانا لتصليح وصيانة السيارات فقط، وليس لتعديل المحركات».

ومن جهة أخرى، عزا احمد وزملاؤه بعض الحوادث المرورية إلى قلة اللوحات الإرشادية التي توضح وجود أعمال على الطريق، حيث قالوا: «هناك الكثير من الحوادث يكون سببها عدم معرفة السائق بوجود أعمال على الطريق، وهو ما يشكل مفاجأة للسائق، وهناك الكثير من الحواجز وقد وضعت بطريقة خاطئة خاصة على شارع الإمارات، حيث يشهد إنشاء عدد من الجسور الجديدة.

مؤكدين ضرورة البدء بتطبيق التربية المرورية في المدارس، وتحديدا في سنوات الطفل الأولى، بحيث يعتاد على الالتزام بقواعدها، وقالوا إن استخدام صور الحوادث في وسائل الإعلام بشكل مستمر سيخلق خطا احمر لدى الشاب، بحيث يدرك بأن السرعة العالية ستضع حدا لعمره وحياته، وختم الحوار علي بو دبس بتأكيده على أن هذه الطريقة أثبتت فعاليتها بعد تجربتها في الكلية، حيث مثلت رادعا لعدد كبير من الشباب الذين اختلفت طريقة قيادتهم بصورة ملحوظة.

غسان خروب